أول صحيفة سعـودية تصــدرعلـى شبكـة الانتــرنت صحيفة يومية تصدرها مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر

الطبعة الثانيةالطبعةالثالثةاختر الطبعة

Friday 4th January,2002 العدد:10690الطبعةالاولـي الجمعة 20 ,شوال 1422

محليــات

لما هو آت
هل الحقيقة هي الحقيقة؟
د. خيرية إبراهيم السقاف
يستقي الإنسان معارفه وخبراته بشكل تراكمي...
فهناك كتب المصادر العديدة في فروع المعرفة الشاملة لجوانب الفكر الإنساني، وفق مقتضيات الحاجة المنبثقة أولاً عن القدرات الخاصة للإنسان وعن المقدَّرات الكونيَّة العامة من حوله...،
لذلك خرَّجت الحياة في مجالات العلوم والمعارف أسماء أسست، كلٌّ في مجاله...
وتناقل الإنسان معارفه وخبراته عن هذا الكم التراكمي الهائل فاستقى...، ومن ثمَّ خرَّج، ومن ثمَّ أضاف، ومن ثمَّ بدَّل...، وهي طبيعة الحياة التي تتسق مع طبيعة الكائنات فيها، وأوَّلها الإنسان...
ولأن الله تعالى يدفع الناس بعضهم ببعض... بمعنى الدَّفع: أن يُذهب أناساً ويُبقي آخرين، ثمَّ يُذهبهم ويأتي بغيرهم كي تتجدَّد الحياة، وتكتسب خاصَّة الاستمرار...، فإنَّ هناك دفعاً آخر بما ينتج الإنسان، فيضيف الآخر إليه، ومن ثمَّ يكون الدَّفع تكويناً تراكمياً لما نتج عنه من معطياته العقلية، الفكرية، ومن معطياته «المهارية» من المبتكرات المختلفة التي يفيد منها الإنسان ويفيد مما يضيف إليها... بوصف الإنسان قد جُبِل على التفاعل مع أخيه الإنسان فيرثه ويورِّثه...
من هذا المنطلق تنشأ لديَّ فكرة سؤال حول أولئك العلماء، والمفكرين، الذين وضعوا أوائل الأفكار في مؤلفاتهم المختلفة بما عُرِّف بكتب «المصادر» جاء بعدهم من أقام عليها الشروح، والتعليقات، والتفسيرات، والترجمة، والتحليل... والدراسات، والنقل، والإيضاحات...، السؤال هو:
هل من قام بكلِّ ذلك من بعدهم فيما عُرف بالكتب الثانوية (Secondary books) استطاع أن يعبِّر عن أفكارهم، ويحلِّل، ويفسِّر، ويشرح، ويعلِّق، وينقل، ويترجم، ويوضِّح، ويدرس، بمثل ما «أرادوا»، وبمثل ما «عَنَوْا» وبمثل ما «قصدوا» حقيقة؟ أم أنَّ هناك تحريفاً، أو عدم دقة... أو تداخل أفكار، أو «اندماج» معانٍ، أو اختلاط مقاصد، تعرَّضت لها مؤلفاتهم الأساس؟
وبشكل آخر للسؤال: هل ما جاء في هذه الكتب «الثانوية» هو ما أراده العلماء أنفسهم، مثل علماء اللغة، والطب، والعلوم، والجغرافيا، والتاريخ، وسواهم؟ وهل وصل ابن سينا، وابن رشد، وسيبويه، والدؤلي، والزمخشري، وجابر، وابن خلدون، وأصحاب المعلقات، وكُتَّاب السير، والمغازي كما نطقوا بما قصدوا؟... أم أنَّ الأفكار ليست الأفكار! والمقاصد ليست المقاصد؟
ويترتب على ذلك من جاء بعد ذلك فأخذ ممَّن أخذ، وأضاف على من أضاف، فتداخلت الأسس بالإضافات، وتحرَّف فيما كان بدءاً، ولم تصل الفكرة المبدأ؟...
وإن حدث، وهو لا شك أمرٌ قائمٌ مثل هذا التداخل، واكتشف الناس أنَّ هذا الأمر لم يحقق لأصحاب البدايات وصولاً واضحاً صادقاً إلى من بعدهم، واكتشف النَّاس أنَّ الجغرافيا ليست الجغرافيا، والتاريخ ليس التاريخ، واللُّغة ليست اللُّغة، والطب ليس الطب، والعلوم ليست العلوم...، فماذا سيفعل الإنسان؟... هل سوف يكون قادراً على إعادة القراءة تأريخياً لكلَّ ما تمَّ فيه التغيير، والتَّداخل، والامتزاج؟...، ومن سوف يكون في قدرته إعادة «الأفكار» البكر لأصحابها؟ أو حتى معالجتهم لها؟...
وما يحدث في الكتب الثانوية بالنسبة للعرب يحدث ذاته بالنسبة للغرب، فهل ما كتب (نيتشة)، أو (برومنجهام)، أو (كومت) أو (كانت)، أو (ماركس) أو (أرسطو)، وسواهم، هو ذاته ما أرادوه؟!...
إنَّك إن فكرت مليَّاً فيما تفعل، أو فعلت الكتب «الثانوية» أو «الموضوعات» الثانوية بالأساس لأعدت التساؤل: هل ما عرفنا هو ما أراد أصحابه لنا أن نعرفه بعد مرور كلِّ هذه الحقب والقرون، والعقود،...؟... بوصف معطيات الفكر البشري هي معطيات تراكمية؟ غير أنّه: من يبحث عن الحقيقة، في حقيقة كلِّ هذه المعطيات؟...
إنِّه الإنسان...
وإنِّه الإنسان بلا شك...
في البَدْء
وفي النِّهاية

أعلـىالصفحةرجوع


















[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث]
أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved