|
سيظل موضوع الكفاءات الوطنية والاستفادة منها هاجساً يراود الكتّاب وأصحاب الأقلام، في ضوء تزايد هذه الكفاءات المتميزة التي تفخر بها المملكة في جميع الميادين، وبفضل ما تحقق لها من قفزة تنموية معاصرة، وفرت لها الآلاف من المتخصصين الذين ملأوا مختلف حقول المعرفة والفكر والعمل والإنتاج.
وهذه القفزة الكبيرة التي تحققت بالتخطيط والعمل وبذل الجهد وإنفاق الدولة بسخاء على التعليم والتدريب والبناء والإعداد، وما وفرته من خدمات راقية في مختلف مجالات الحياة. هذه القفزة في حاجة إلى من يفهم أبعادها الحقيقية، فهي لم تتم بين يوم وليلة، ولم تتم بغرض أن يشاد بها، أو حتى يقال لدينا الآن المتخصصون ولدينا الآن الكفاءات، بل هي تمت في إطار حرص الدولة على البناء الشامخ لهذه الدولة التي بدأ مسيرتها، وأسس كيانها الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- واستمر في استكمال صرحه ابناؤه البررة الأوفياء.
هذا البناء الذي شمخ بالمواطن ووجّه إليه كل الجهود، حري به أن يتواصل شموخه مستفيدا بكفاءات ابنائه، تلك الكفاءات التي احتضنها ولاة الأمر -حفظهم الله- وافسحوا لهم الطريق ليساهموا في تحمل مسؤوليات شرف البناء وشرف الخدمة، وشرف العمل، بما يحملونه في أنفسهم من شرف الانتماء لهذا الوطن.
وهنا تقع المسؤولية الكبيرة على تلك الكفاءات التي شرفتها الدولة وكلّفتها بتحمّل المسؤوليات في مواقع العمل المختلفة، تقع عليهم مسؤولية أن يفسحوا المجال لإخوانهم من ذوي الكفاءات، وأن يأخذوا بأيديهم نحو الارتقاء بالعمل وتقديم ما لديهم خدمة للوطن، مستفيدين من خبراتهم وكفاءاتهم التي هي ثروة غالية يجب أن يستفاد منها وأن توظّف أحسن توظيف، بدلاً من أن تقبر هذه الكفاءات في مهدها ولا تتاح لها الفرصة في النمو أو في تقديم الخدمة المأمولة فيها أو المتوقعة منها.
إن القيام بهذا الواجب من قبل المسؤولين في مختلف مواقع العمل هو واجب وطني في الدرجة الأولى، لأنه توظيف لقدرات الموظفين وخبراتهم وإمكاناتهم وكفاءاتهم حتى يقدموا أفضل ما لديهم لخدمة الوطن، الذي أنفق الكثير والكثير لتكوين وبناء هذه الكفاءات التي هو في حاجة ماسة إلى أن تتاح لها الفرصة للعمل والبذل والعطاء.
غير أن البعض قد لا يلتفت إلى أهمية الكفاءات الوطنية، ويقصر نظرته على إدارة العمل الروتيني اليومي، ظناً منه أنه هكذا تكون الإدارة، فلا يمد أنظاره إلى المستقبل ليفكر فيما يمكن أن يؤول إليه موقعه إذا ما تركه هو شخصيا، فهو لا يدرك أن هذا الموقع لو دام لغيره ما وصل إليه، فلا يرى في ذلك الموقع إلا ذاته، ولا يفكر إلا فيما يحقق طموحاته الذاتية، ولا يمد بصره نحو الكفاءات المحيطة به والتي وفرتها له الدولة ليصنع منها، صفاً ثانياً وثالثاً، يستطيع أن يتحمل تبعات العمل في الإدارة من بعده، فيتنكر للقدرات والكفاءات، ويتناسى الخبرات التي يمكن أن تصنع للعمل أجيالاً واعية مفكرة منتجة.
وهنا تكون الطامة الكبرى حينما تترك هذه الكفاءات أماكنها ليتسلمها غيرها من أجيال لم تفسح لها المجالات للتدرب أو التمرّس في العمل، أو لم تتح لها الفرصة لاختبار طاقاتها وإمكاناتها وكفاءاتها، مما يتسبب في إرباك العمل وإعاقته عن الأداء المطلوب والمتميز.
إن احتضان الكفاءات هو ديدن ولاة الأمر في هذا الوطن -حفظهم الله- وإن المسؤولين في مختلف مواقع العمل وعلى جميع درجات المسؤولية، يجب أن يجعلوا منهم قدوة في هذا المجال، ومن سلوكهم نبراساً لصالح الوطن ومسيرته الشامخة متى أخلصوا لهذه المسيرة.
|