الموت حق، ليس حديثاً ولا مستغرباً، ولا طارئاً. كل حي لا بد له من وفاة. إلا وجه الله الخلاق العليم الدائم. كل نفس ذائقة الموت. الموت أمر معتاد منذ خلق الله آدم وحواء. كل الأمم السابقة من ذرية آدم ماتت بعد قضائها سنين العمر. كل أمة حدد الله لها آجالها..
|
كانت الأعمار طويلة في عهد الأمم السابقة. وذكر أن عمر نوح كان ألف سنة إلا خمسين عاماً. وقيل لامرأة في عهد نوح إن أعمار أمم لاحقة سوف تكون في حدود السبعين سنة فقالت: لو عشت ذلك العمر لقضيته كله في سجدة واحدة.
|
ولولا نعمة الموت لضاقت الأرض بما رحبت. البطون تدفع واللحود تبلع، وسنة الله سائرة في خلقه. ومع ذلك يفجعنا موت قريب أو حبيب أو صديق. نحزن وربما نبالغ في الحزن وكأن الأمر ليس حتمياً. نبحث عن أسباب الوفاة، وكأن الموت يحتاج إلى سبب ينقل الروح من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة. نحن كمسلمين ندرك أن الإنسان يحدد له أجله يوم نفخت فيه الروح. وقد يمدد الله تلك الآجال بفضل فعل الإنسان في حياته من أفعال الخير وبر الوالدين وغير ذلك. والموت وهو حق، مقرر ومحدد من الخالق، ونعمة من الله للبشرية لكي تجد ما تعيش عليه ومنه، إلا أنه نعمة للفرد ونفسه خاصة عندما يصل إلى أرذل العمر كما ذكر الله في محكم تنزيله. ذلك أن الحياة سعادة وبهجة، غالية ومطلوبة عندما يكون الإنسان في وضع يسمح له بالاستمتاع بها وبمباهجها، يساهم في بناء مكوناتها، يعبد الله ويقدم الخير لنفسه ولمن حوله. وعندما يفقد القدرة على ذلك، ويصبح عالة على من حوله، ولا يعي ما يدور فالموت راحة له. لا أقصد حالة معينة أو شخصاً معيناً وإنما كل ذلك حالات عامة. هذه خواطر عن الموت دارت في خاطري أسجلها في أعقاب وفاة معالي الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري نائب رئيس الحرس الوطني المساعد.
|
تربطني بمعالي المرحوم صلة النسب، وكنت أقدم إليه في كل مناسبة للسلام عليه مع والدي رحمه الله. ثم شاءت الأقدار أن يذكرني لمعاليه الأخ الصديق الأستاذ عبد العزيز بن علي التويجري ليتم ترشيحنا من قبله للعمل إلى جانبه في الحرس الوطني. وهكذا أتاح لي رحمه الله الفرصة للعمل معه أربعاً وعشرين سنة كانت حافلة بالعطاء والتجربة. لقد أعطتني هذه السنين فرصة التعرف على معاليه عن عمق. وهنا أسجل بعض مآثر المرحوم.
|
1- عصامية المرحوم حيث استطاع إثبات وجوده من موظف صغير مسؤول عن مالية سدير إلى وكيل الحرس الوطني للشؤون المالية والإدارية، ثم إلى معالي نائب رئيس الحرس الوطني المساعد والتفوق على كل من كان ينافسه أو يحاول التغلب عليه دون إيذائهم أو الإضرار بهم مع قدرته الكاملة على ذلك. بل على العكس كان يقف مع من يضاده ويساعده ويرفع من شأنه وقدره ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
|
2- حكمته في حل المشاكل التي تعترضه، أو تعترض رؤساءه أو مرؤوسيه بشكل سلس وهادئ وفي مصلحة جميع الأطراف ودون إيذاء لأحد.
|
3- تقديره لكل من وصل إليه، وإعطاء كل فرد حقه حسبما يستحق بل وأكثر مما يستحق. وإجلاسه كل في مجلسه الذي يستحقه. هذا على الرغم من الصعوبات التي تثار في ذلك لتنوع المراجعين وتعدد مطالبهم ورغباتهم، وعدم اقتناعهم بأقل من تحقيق المطالب. ومع ذلك حاز طيلة حياته على احترام وتقدير الجميع.
|
4- تعليم نفسه بنفسه فعلى الرغم من عدم دخوله المدارس النظامية واكتفائه بمعرفة القراءة والكتابة إلا أنه علّم وثقّف نفسه بنفسه إلى درجة فاقت من حصل على درجات الدكتوراه في عدة مجالات وليس في مجال واحد فقط. بل إني وحسب تعاملي معه أراه جامعة متكاملة في ذاته. جامعة في علم الإدارة، وعلم النفس، وعلم الاجتماع والتاريخ والجغرافيا. جامعة في علم الأنساب، وعلم العلاقات الإنسانية، وعلم السياسة، والعلوم العسكرية، وفي التراث والثقافة. ومع ذلك كله نجده ينكر معرفته لتلك العلوم ويصر على أنه إنسان بسيط عادي غير متعلم.
|
5- تفسيره للأنظمة والتعليمات بأنها وضعت لخدمة المواطن والمراجع والمحتاج، لا عقبة في سبيل تحقيق احتياجاته، وهو في ذلك يخالف كثيراً من العاملين في الدولة الذين ينظرون إلى النظام نظرة جامدة ويفسرونه على أنه وضع لحماية حقوق الدولة. وقد أدت نظرته تلك إلى تحقيق كثير من احتياجات المواطنين والمراجعين دون تضحية تذكر بحقوق الدولة. وكسب لرؤسائه وله حب الجميع.
|
6- تمسكه -رحمه الله- بالبساطة وحسن التعامل مع الناس ونزوله إلى بساطة كل مراجع. واتباعه سياسة الباب والصدر والنفس المفتوحة.
|
وصل إلى مراتب عليا، وإلى حالة من الصحة متردية ومع ذلك كان يصر على فتح أبوابه في المكتب والمنزل لكافة الناس. يستقبلهم ويستمع إلى مطالبهم ويحقق ما كان ضمن صلاحياته منها ويخاطب من يملك تلك الصلاحية حتى وإن كان خارج دائرة عمله في الحرس الوطني.
|
7- حبه اللامتناهي لهذا الوطن، ولمؤسسة الملك عبد العزيز رحمه الله بحيث تلمس في كل حديث، وفي كل مؤلف من مؤلفاته العديدة هذه المحبة الصادقة. وضمت هذه المحبة تصرفاته وسلوكه في الإدارة بحيث جعلها تتجه دائماً إلى مصلحة الوطن ليس في الأمد القصير وإنما في الأمد الطويل أيضاً.
|
8- حبه القوي جداً لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله. واعترافاته الدائمة وفي كل مناسبة بأفضال خادم الحرمين الشريفين عليه. وتوجيهاته السديدة التي كانت له نبراساً في حياته وفي تصرفاته.
|
9- حبه للأدب والأدباء سواء من داخل المملكة أو خارجها وإقامة جسور التواصل معهم وإطلاعهم على أفكاره ومؤلفاته. وكان يصر دائماً على عمل مقدمة أدبية رائعة لكل مؤلف يهديه لأي من هؤلاء ويمليها في حضورهم. وكنت أراه يؤكد بذلك قدرته على التأليف والكتابة بحضور رجال الفكر والعلم والأدب.
|
10- اعترافه بأنه كان صغيراً، حديثاً في مجال الإدارة وأنه تعلم من الصغير والكبير وحتى تعلم من فراش مكتبه الذي كان يقدم له القهوة والشاي. كان يتحدث عن ذلك بكل صراحة ولا يخجل منه إطلاقاً. كما كان يتحدث عن النصائح التي أسديت إليه. ثقته في نفسه جعلته يعترف بحقوق الآخرين دون مواربة. وذلك في نظري أكبر مراتب السمو والرفعة والثقة في النفس.
|
11- صبره وحلمه وتحمله لما يصدر من تصرفات وأعمال ممن حوله وممن يعمل معه. خاصة وأن الحرس الوطني كان يختلف عن الجهات الأخرى من حيث أساليب العمل، نوعية العاملين فيه، نوعية المستفيدين من خدماته، نوعية المراجعين له. فكنا نقدم على أعمال ونقترح أخرى لا تتناسب مع وضع الحرس الوطني وكنا في بعض الحالات نصر عليها. فكان رحمه الله يأخذنا بالحلم والأناة والصبر حتى يتضح لنا صحة موقفه وخطأ موقفنا.
|
لقد كان رحمه الله جامعة في شخص. تعلمنا منه الكثير. وخرجنا من عنده ونحن لا زلنا في حاجة إلى علمه وخبرته وتجاربه. أدين له بكثير مما أنا فيه... كم كنت أتمنى أن يستنسخ منه عدة أشخاص، ولكن الأمل معقود في أبنائه عبد المحسن وعبد الله وخالد ومحمد وحمد وعبد السلام، في أن يكونوا نسخاً منه في الفكر والعطاء وحسن التعامل، وخدمة الناس والتواضع والمحبة والتسامح. أما والدنا فلا نملك إلا أن نبتهل إلى العلي القدير، رب العرش العظيم، الرحمن الرحيم أن يجزيه عنا وعن كل من وقف معه أحسن الجزاء، وأن يسكنه في الفردوس الأعلى من الجنة مع الأنبياء والصالحين.
|
|
قضاء الله يفعل ما يشاء
|
|
ولا رأي إذا حم القضاء
|
|
أمانات تعود إلى ولي
|
|
وكل الخلق إلى الموت سواء
|
|
سعيد من بنى ذكراً حميداً
|
|
إذا ما غاب يذكره الدعاء
|
|
أبا محسن هنأت بزرع خير
|
|
ثمراته من الله النقاء
|
|
دعيت الله غفاراً رحيماً
|
|
لك الغفران وللأهل العزاء
|
رحم الله أبا عبد المحسن وثبتك على القول الثابت وأدخلك الجنة مع الأولياء والصالحين. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
|
|
وكيل الحرس الوطني سابقاً وعضو مجلس الشورى سابقاً
|
|
|