انحدار شديد يمر به الإعلام العربي في غالبه، بعيداً عن دوره التوعوي والإعلامي ورسالته المهنية ومسؤولياته تجاه المجتمعات، تبدت معالمه واضحة جلية خلال احتفالات العالم الغربي بما يسمى (أعياد الميلاد) و(رأس السنة) غير أن الهبوط والتردي موجودان من قبل، والانحدار قائم ومظاهره لا تخفى على كل ذي بصيرة. مع مطلع العام الجديد الذي يتوقع فيه المتابع والمراقب الكثير من التجديد الإعلامي الذي يكسر روتين الحياة ويقدم المزيد من التنوع، وجد المتابع العربي، في كل مكان نفسه غريباً أمام وسائل الإعلام، بل وجد الإعلام مستغرباً عن متابعيه، تائهاً عن مبتغياتهم، يغرد بعيداً عن ساحة الاهتمامات والأولويات والقضايا الأساسية.
إصرار واضح يسيطر على معظم وسائل الإعلام العربية على عدم ملامسة الهموم والأوجاع الحقيقية للمواطنين العرب الذين يشكلون الرصيد الحقيقي لتلك الوسائل كونهم من يتابعون ما يطرحه الإعلام ويتفاعلون معه، من حيث يدري أو لا يدري كان إعلام العرب منقاداً ليس للأحداث الدولية لكن للتوجهات الدولية من حيث الاهتمام بأشياء ليست من صميم أولويات المشاهد، وربما يقوم بها الإعلام الغربي من قبيل التسلية على شعوب تلك البلدان، حيث الاختلاف في كثير من أوجه الحياة ودرجات الرفاهية والرضا وكذلك الاهتمامات، لكن أن يقلد إعلامنا العربي تلك العادات لمجرد التقليد فهذه كارثة والله، ونتمنى أن يكون التقليد في محاكاة المهنية العالية والمتابعة الدقيقة والحضور القوي في موقع الحدث والتغطية الواسعة والمتخصصة، لكن أن يكون التقليد في أمور لا تفيدنا بشيء ولا تقدم لنا حلاً لقضايانا فتلك مهزلة حقيقية، حيث إنهم لا يقلدوننا في شيء ولو من باب المجاملة، فلماذا ننساق وراء أشياء ليس لنا فيها ناقة ولا بعير؟! هل انقضت كل مشاكلنا العربية لتنصب اهتمامات الإعلام حول احتفالات (رأس السنة) والحفلات الغنائية الصارخة في قارات العالم التي لا ننتمي إليها، ولا يهمنا رقصها وغناؤها؟ هل انحصرت قضايانا فيما حققته الأفلام السينمائية من إيرادات عالية في المواسم؟ هل صار همنا الرقص والطرب طوال اليوم، بحيث تنتقل بعض الفضائيات من فاصل غنائي إلى آخر دون أن يفصلهما شأن يدل على أن هذه القناة تنطلق من قُطر له أي اهتمامات أخرى؟ مع التقدم التقني الذي حدث خلال العقود الأخيرة وخصوصاً في السنوات العشر الماضية، يفترض أن يرتقي الإعلام العربي من الناحية المهنية، وأن يصاحب ذلك تقدم في مجال ملامسة هموم الناس وتلمس أوجاعهم وقضاياهم المصيرية، فالإعلام ليس مطلوباً منه فقط أن ينقل الحدث ويسلي المتلقي، بل أيضاً تقع على عاتقه مسؤولية التوعية والتثقيف، والتبصير بالقيم الدينية والإنسانية والاجتماعية وغيرها. على الإعلام تبني برامج وخطط وإستراتيجيات تساعد في الجوانب التربوية، ليس فقط مجرد برامج اجتماعية سطحية متناثرة هنا وهناك من باب التنوع، بل موضوعات متعمقة تكرس النواحي الإيجابية في حياة الشباب باعتبارهم أكثر الشرائح متابعة للإعلام بكل أشكاله، وباعتبارهم أيضاً أكثر الفئات تضرراً من البرامج الانصرافية والسطحية التي يتبناها الإعلام من حيث يدري أو لا يدري. في الوقت الذي ينتظر أن يحدث الإعلام نقلة نوعية إلى الأمام في برامجه وطرحه واهتماماته وأولوياته، ونظرته إلى المتابع، ووفائه مع المواطن من أجل النهوض بجوانب حياته، وإحياء بوارق الأمل المضيئة أمامه، نرى - وبكل أسف- أنه ينحدر وبشدة نائياً عن كل تلك المسؤوليات، ومتنصلاً عنها، ومتنكراً لها، فكلما صعدت ميزانيات وسائل الإعلام العربية وتوقعنا تصحيحاً في مسارها، صعدت بأدائها إلى الأسفل، وانحصر عطاؤها في خانة السطحيات والقشور والأمور الانصرافية التي لا تقدم شيئاً بل تؤخر الشعوب كثيراً، وتقتل كل آمالهم وتطلعاتهم وطموحاتهم التي يفترض أن يرسخها الإعلام ويسعى إلى تسليط الضوء عليها وتعزيز أحقية الناس بها ومناصرتها. نحن أمام مفترض طرق، وفي زمن من يملك فيه زمام الإعلام يستطيع أن يوجه الكثير من أوجه الحياة، ومن يتولى ذلك الزمام يجب ألا يغيب عن باله حجم المسؤولية وأمانة التكليف، وعظمة المهمة، فالاقتصاد، والمجتمع، والسياسة، والتربية والتعليم والثقافة، كلها مرتبطة بالإعلام، وحينما يحدث خلل في هذا المرفق، يكون العرج واضحاً في أكثر من صعيد، وتكون النتيجة سلبية وقاتمة لا تسر صديقاً ولا تحزن عدواً، خصوصاً إذا كان الإعلام منشغلاً بمجاراة الإعلام الدولي ذي الاهتمامات الواضحة التي تخدم أهدافه وتعزز مكانته وتنشر ثقافته وتحيد من يريد تحييده. لا بد من يقظة عاجلة ونهضة حقيقية تكون بمستوى البون الشاسع بين الواقع والطموحات، لتحتوي الفراغ الذي أحدثه غربة الإعلام وابتعاده عن جمهوره خلال فترة ليست قصيرة، لا بد من عودة حقيقية تستصحب الوعي بالمسؤوليات الوطنية والثقافية والاجتماعية للإعلام، ودوره ووظيفته ورسالته التي يفترض أن يؤديها بكل أمانة ومهنية واحترافية لا تغفل الضرورات والاحتياجات والتحديات.