من المسلمات التي لا شية فيها أن الأمة العربية بوصفها جزءاً من العالم الثالث المتخلف عن ركب الحضارة العلمية البحتة والمتهالك عليها والمستهلك لها بنهم شديد أمة مأزومة، تعيش حالة من الارتباك والضعف والتفرق والهوان على الناس، حتى لا تستطيع اتخاذ أي قرار مستقل يحفظ ماء الوجه، ويقلل من انتهاكات شرذمة قليلة، تجمعت من آفاق العالم بنص مزور وحبل من الناس، بل لا تستطيع كف هذا الصنف من الناس عن غيه، وحمله على التدخل لرد هذه الشرذمة عن إرهابها الدولي المنظم، ومضاعفات التخلف أوضاع لا يرجى النهوض في ظلها، ولا الخلوص من أوضارها، والأزمة من حيث المجال والبواعث، ليست حكراً على فئة ولا على قضية، وحين نحاول تجسيدها والتماس الحد من استفحالها، لا يعنينا البحث عن الأطراف المسؤولة لمحاكمتها، والخلوص من الضلوع فيما حدث وما يحدث، فما عاد مجدياً البحث عن مناطات للتخلف، فكلنا خطاؤون، ولو فكر كل إنسان سوي وقدّر، وحاسب نفسه قبل أن تحاسب، وحاول تهذيبها، لأصبح الناس إخواناً على سررٍ متقابلين، والداء العضال أن المتوقع منهم التفكير في الذات قبل الآخر، يزكون أنفسهم ويدينون سواهم وهم يحسبون أنهم بهذا التنصل والتزكية الزائفة يحسمون المشاكل، وما دروا أن الأمة مأزومة في مؤسساتها وأشيائها وقضاياها الفكرية والثقافية والسياسية والاقتصادية، وفي التخطيط والممارسة، وتفاقم الأزمة ناتج نسيان الذات، وإنساء الأنفس عقاب رباني لمن نسي ما أمر به (نسوا الله فأنساهم أنفسهم)، (نسوا الله فنسيهم) ونسيان النفس جهل ما هي عليه، وما يجب أن تكون عليه، وبوادر نسيان الذات تتبدى في إعجاب كل ذي رأي برأيه وفي تأليه الهوى، فكل ناطق عبر أي وسيلة إعلامية يعدّ نفسه أمةً وحده، يملك ناصية التقدير والتوقيت والتدبير، لا يؤمن بمرجعية، ولا يذعن لمؤسسة، ولا يلتزم بعهد، ولا يلزم جماعة المسلمين، ولا يبالي بأي وادٍ هلكت أمته، وكأنه ذلك الضال المضل الذي جرب كل العبادات فوجد أحسنها عبادة ذاته، ومن ثم لا يتردد في تأليه هواه، والتعملق على سيقان خشبية لمطاولة الأساطين الذين مكن الله لهم في الأرض فأقاموا ما أمروا به، ولسان حاله ومقاله يؤكد أنه رجل والآخرون رجال، وأن قوله صدق لا يحتمل الكذب وقول غيره كذب لا يحتمل الصدق، وما درى أن الخروج من فلك المرجعية المعتبرة: حكماً وحاكمية، إغراق في الفوضى وتمكين للغوغاء، وذلك بعض الداء العضال الذي يزيد في التأزيم، ويؤجج نار الفتنة، وحين نقطع بوجود أزمات مضاعفة في الذات المتداولة والموضوع المتداول تَنْسِل بعدد القضايا والأناسي، لا نفكر في ذواتنا، وما هي عليه من إعجاب بالرأي، واستخفاف بالآخر، وجهل مريع بالذات وبالإمكانيات، وجنون الثقة بالذات يصرفنا عن التفكير في أسلوب منطقي يكفل لنا التوفر على حوار حضاري، يدرأ عنا غوائل الصدام والصراع، ويبلغ بنا مشارف التفاهم، أو التعاذر، وذلك أضعف الحلول، حوار يمكننا من إنضاج قضايانا على نار هادئة نوقدها من شجرة زيتونةً لا شرقية ولا غربية، حوار يؤدي بكافة الفرقاء إلى تحديد دقيق وواضح لطبيعة المشاكل التي تجتاح الأمة في سائر شؤونها، وإخضاعها لفقه الواقع والأولويات والفتن والتمكين، ولهذا قال العلماء بتغير (الفتوى) ومن قواعدهم:- (لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان) وهي قاعدة ذات حدين؛ إذ ليس الأمر على إطلاقه، بحيث نجري هذه القاعدة على كل عزيمة تتعثر بعادة أو تصطدم بمحاكاة، بل لا بد من أهل ذكر يملكون القدرة على الترجيح بين العزائم والرخص، بل لا يكفي أهل ذكر منفردين لا تجمعهم مؤسسة، ولا يهمن عليهم تداول الرأي بحرية تامة، وانعتاق من المذهبية الضيقة والآنية المقيدة ولو حصلت معجزة ربانية وحددت المواقف ورضي الناس بأقل قدر من وحدة الصف والهدف، وقيد المتجادلون جدلهم في المساحات المشتركة وأقبلوا على بعضهم يتفاهمون ولا يتلاومون فإن أشياء كثيرة ليست من تديبرهم ولا تقديرهم ستنبعث من تحت أرجلهم، وتسبقهم إلى طاولات التفاوض لتفسد عليهم أمر دينهم ودنياهم، والأقل من المفكرين من يحسب لهذه الأيدي الخفية حسابها، بل نجد من ينكر ذلك، ويرى أننا وحدنا الذين نفسد شأننا كله، لقد صمم الآخر الحدود، وفرّق بين المجتمعات في التفكير والمستويات والحاجات والعادات والقناعات، ورتب لكل قطر أولوياته، ونوّع المصالح، وناقض بين المفاهيم، ومن ثم فإن كل اجتماع تحول دون نجاحه تلك الخصوصيات التي أنشئت في غفلة من الرقيب، ومع كل التوقعات المخيفة والمحبطة يظل هناك بصيص أمل، وخيط رفيع يوجب على كل مقتدر تكرير المحاولات فالأمة العربية لن تظل في التيه لمدة أطول:-
|
|
(وقد يجمع الله الشتيتين بعدما
|
|
يظنان كل الظن ألا تلاقيا)
|
والمسكونون بهم أمتهم لا يثنيهم عن المحاولة أي عائق:
|
(وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(164) سورة الأعراف.
|
فالمناصحة واجبة حتى مع اليأس لأنها أداء واجب لا يرتبط بالنتائج، وكم من ناصح لا يحسن الفعل ولا يدرك الأشياء على حقيقتها يشكل بمناصحته عبئاً على أهل الحل والعقد، (ومن الحب ما قتل) وليس من بوادر الخير أن يفت اليأس والإحباط في عضدنا، ولا أن يبتدر الرأي والمشورة المتعجلون والمكرهون للناس على الامتثال ولا أصحاب الحدة والحدية والمثالية؛ إذ داء المشاهد كلها الفردية والتفلت على المرجعية، والصدامية، والتلفيق واستهلاك الأفكار والمبادئ والتمييع والانقطاع وجماح العواطف، والفجوة والجفوة بين النخب والرأي العام، وعسى أن تشتد لتنفرج، ولن يغلب عسر يسرين.
|
وما لا مراء فيه في الشأن كله خاصة وعامة، قليله وجليله أن الحدية والمثالية تحملان على العناد وتفويت الفرص والإصرار على الحل النهائي والحاسم، بحيث لا يكون لنا إلا الصدر أو القبر، إن المنطق يحتم علينا أخذ الأمور خطوة خطوة، والتغاضي عما لا حاجة لنا به ولا طاقة لنا باحتماله؛ إذ في كل عصر ومصر توجد ملفات ساخنة بل تكاد تكون مفخخة يتربص بها الأعداء، ويسعون لفتحها متى شاؤوا، ومن ثم لا يكون من المصلحة استدعاء شيء منها على مبدأ الأولويات والمقدور عليه وخيار التأجيل والاشتغال بالممكن والضروري، على حد: (لولا أن قومك حدثاء عهد بكفر..) وحين دعوت الكتاب والمفكرين إلى مرحلة التكتم والتكتل انبرى من يدعي أنني أحرض على ترك الأشياء ترمّ على فساد، وأنني ضد الشفافية والمصارحة والمساءلة وحرية التعبير والتفكير، وخطأ النقد في الابتسار وتحميل القول ما لا يحتمل، وذلك من فساد التأويل الذي فرّق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة. كما حذر الصادق المصدوق. إن الدعوة مرتبطة بالواقع المعاش، وهو واقع مريض لا يحتمل مزيداً من جلد الذات، ومرتبط بأسلوب النبش والبحث فيما لا فائدة من بحثه، ولأن تداول الممكن وغير الممكن والصحيح وغير الصحيح يساعد الأعداء المتربصين على جمع الوثائق التي تساعدهم على توهين العزمات، وتشتيت الجهود، وقمع المسكونين بهمّ أمتهم عن ممارسة حقهم الإنساني والعربي والإسلامي، فإن من الخير لنا تفادي النفخ في الأخطاء العارضة والوقوعات الشخصية، وكيف لا نحذر من إشاعة الأخطاء المحلية، ونحن نسمع ونرى من يتهم بلادنا بالجور والظلم وسلب الحقوق واستعباد الناس، ولا تثار مثل هذه الاتهامات إلا حين يكون مؤتمر أو لقاء يهم العالمين العربي والإسلامي، وهي إثارات تمس سيادة البلاد وتمس سمعة مؤسساتها، وليس بيد الأعداء إلا ما كنا نتداوله فيما بيننا عن حسن نية وسلامة قصد، ولأننا طرف أهم في قضايا الأمة علينا أن نمتلك خطاباً حضارياً بعيداً عن الانجراف العاطفي، خطاباً يفرق بين المبادئ والتطبيقات ويفرق في قراءاته بين السلطات الثلاث، ويستصحب الشعور بهيبة السلطان واحترام العلماء، بحيث يمرر رؤيته بأسلوب بعيد عن الإثارة والاستعداء، مستبطناً قيم المعارضة الإيجابية، مستحضراً خطورة الصدام مع الرأي العام، ولن يستطيع أي مجتمع أن يكون فاعلاً حتى يتغلب على مشاكله الخاصة قبل العامة، ويمتلك القدرة على التحكم فيها، وحتى تقترب نخبة من قواعده البشرية العريضة؛ إذ المعروف أن الثقافة ذات أبعاد اجتماعية وهي مجمل السلوكيات المعتبرة، وأبعاد ذاتية، وهي مجمل المحصلات المعرفية، وهذا التعدد يحتم على الطرف المتحكم، وهو الطرف المعرفي أن يراعي أسلوب التغيير والتوجيه، فالمجتمع محكوم بمسلمات لا يمكن أن يحيد عنها بجرة قلم، وإن كانت في نظر النخبوي خاطئة ومقدور على التغلب عليها، وكيف يتم التحول الكلي والسريع بالقدر الذي يراهن عليه النخبوي، والرسل والأنبياء ظلوا سنوات يدعون قومهم ثم لا يستجيبون: (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا).
|
ثم إن البعد المجتمعي من الثقافة أوسع وأعمق من البعد المعرفي، لأنه عملي؛ بمعنى أن الثقافة نظرية وتطبيق، والموجهون لها هم أهل المعرفة النظرية، فيما يكون المطبقون هم الأكثر عدداً والأقوى رسوخاً وثباتاً، ومتى بلي المجتمع بنخبه تعمقت المشاكل واستفحل الخلاف، وذلك ما نراه ونعايشه، والمستخف بتنوعات الثقافة ومستوياتها لا يمكن أن يمارس التوجيه والنقد والإصلاح.
|
|
|