سنة جديدة يجدد الله فيها كل خلية من خلايا بدنك
سنة جديدة تجددين فيها العهد مع ضميرك فلا يغضي عن ضيم
سنة جديدة تتعهدين فيها أحلامك بالعرق والسهر والصبر وتحولينها إلى واقع
سنة جديدة تعمقين فيها صداقات عتيقة وتضيفين إلى قائمة قلبك أسماء صداقات جديدة
سنة جديدة لا تجانب الحق ولا تهادن الباطل
سنة جديدة تنشر السلام والأمن والحرية في أرجاء الكون
سنة جديدة تتفتح فيها المزيد من أشواك وورود قصائد شعرك
سنة تواعدين فيها المستقبل في الهواء الطلق على آمال باسقة
سنة جديدة تستلهم سيرة الهجرة في الحلم والعلم والتضحية والبطولات والبناء لمواصلة مسيرة عمران الأرض
سنة جديدة.. القرآن فيها يمينك والسنة المحمدية دليلك
سنة جديدة تلهمك أمانة كلمة الحق في الرضا والغضب وخشية الرحمن في الغيب والشهادة
سنة امتثال لقول عز من قائل قولاً وعملاً
سنة جديدة منتجة مُبهرة بالحب والرزق الحلال
سنة إباء وكرامة وعطاء ومسيرة لاتنقطع ما دام في صدرك نفس
سنة لا تقص فيها جديلتك ولا تنكسر عينك ولا تنحني فيها قامتك لسوى الواحد الأحد
يفوح صوت أمي في عروقي مطلع كل عام جديد مشاتل من كادي وجوري وأنهار من ماء سلسبيل وهواء نقي يهيئ روحي لاستقبال عام جديد. وهذا الدعاء قسم بالله العظيم ليس إلا دعاء أمي صببته حرفيا في حروفي مما تغدقني ببروقه ومطره وسنابله منذ أن كنت طفلة في السادسة أو أقل, فيما عدا أنها كانت ببصيرة مبصرة تضيف كل عام عهداً جديداً على عاتقي وتسكب جرعة أقوى من دعائها في أوردتي بما يتناسب مع زيادة سنة من عمري. ولم أزل منذ ذلك الحين وحواسي للتو تتفتح على الحياة، إلى اليوم أحاول أن أتعلم كيف أوفي بما يقطعه هذا الدعاء على نفسي من عهود عام بعد عام.
وبصدق فإنني عبر مراحل العمر جربت كثيراً وما زلت اختبر وأجرب عذوبة وعذابات الوجود وقد أخطئ أو أصيب إلا أن هذا الدعاء دائما يتربص بي في بوارق الأمل ويسبقني عند بوابات المستقبل فأشرئب إليه وكأنه بيرق على النواصي أو خارطة طريق لما تواجهنا به الحياة من مفارق ولما نبحر فيه من فلوات اليابسة أو نشقه من عباب البحور.
تتجرح كفاي, تشتعل وتنطفىء عيوني, أكبو وأقوم، أفرح وأحزن، انهزم وانتصر، أبكي وأضحك، أودع واستقبل، أمرض ويشفيني الرحمن، أختلف وأتفق، أغضب وأحلم، أتحامل وأسامح, أنجرح أو أجرح، أنجرف واحجم، أنام وأصحو, أحب وأكره، أكتوي وابترد، أندم وأُقدم، أسهو وانتبه، أنسى وأذكر, أخمد والتهب، أجدب وأخصب, أعزف وأتلهف، أتكلم وأصمت, أُشْرق وأُغْرب، آكل وأصوم، أجزر وأمد، أشرب وأعطش, أقيم وأرحل أنتفي وأنتمي، أقبل وأرفض، استكين وأشاكس، تتضح الأشياء وتلتبس أو تتعدد أطيافها وأطيافي بعيداً إلى ما لا يحد خارج قواقع الثنائيات، إلا أن دعاء أمي وحده يصمد حصني وعزائي، نبراسي ومناري. يظهر دعاء أمي في الغيوم وفي الشمس, في ريعان الربيع وفي شجن الشتاء, في صهيب الصيف وشهقات الخريف. وفيما ترجو أمي الله بدعائها أن يحميني فإنه ليس سراً عليها كم دعاؤها يتحداني لأن ليس لسماواته سقف وليس لبحره ساحل ولا يقبل بأقل من هزيمة الضعف البشري الذاتي ومواجهة مصاعب الواقع الموضوعية والانتصار للخيال.
وإذا كنت أبتهل إلى الله هلة السنة الهجرية كل عام أن يجعل لي ولأمي وللعالم أجمع نصيباً لا ينفد من رحيق دعاء تلك السيدة السامقة فإنني لا أستطيع أن أخفي حيائي من محياها الحليبي كلما جردت نهاية كل عام حساب نفسي.
وعلى ناصية هذا العام الجديد
أسأل الله أن يعينني على تحمل تحديات دعاء أمي بما لا يخون أخيلتها الممشوقة ولا يخيب جمال يقينها بما منح الله الإنسان من طاقات العمل والأمل والاجتراح.
إلهي أنعم على أمي بحرير الصحة وتوج مخمل جبينها دائماً وأبداً برحمتك ورضاك.
إلهي امنحنا لياقة في العقل والقلب والجسد تليق بدعاء الأمهات مطلع كل عام وبما يلقينه على قاماتنا من مسؤوليات الأمة ومن أماني الأمومة. إن الله سميع مجيب وسنة عدل وحرية وسلام وحب وإباء على وطننا وعلى الجميع.