شاعر المليون يعلن دورته الجديدة، تقدم للمسابقة (12) ألف متسابق، خمسة آلاف شاعر قابلتهم اللجنة، وصل إلى التصفيات 100 شاعر، جميع هذا ماذا يعني؟ هل يعني أن مشروع النهضة الحديثة في العالم العربي..... لم ينجح أحد؟؟
فبعدما انطفأت الأضواء وتقلصت عن سباق (مزايين الإبل) الذي كان يستحث ويستجلب جميع المستتر والمندثر والمسكوت عنه من الأنماط البائدة في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية، نجد أن تلك الأضواء سرعان ما تحولت باتجاه مسابقة شاعر المليون في دورتها الثانية.
حيث تبرز جميع تجليات العلائق القديمة والولاءات المندثرة، ومنظور الرؤية القديم المهلهل (للمجتمع والمرأة والمختلف والآخر ومفهوم الدولة الحديثة وشروطها)..
قيم التخلف عندما يحاصرها الجديد والعصري، وشروط الزمان التي تؤكد على أن تلك العلاقات الصحراوية لا تخدم المرحلة أو طبيعتها؛ فإنها سرعان ما تهرب من الحصار وتختبئ داخل قصيدة من قصائد الشعر الشعبي.
ومن ثم تكمن هناك بأمان، وسرعان ما تفز وتنفر بين الأبيات التي يطرب لها ويسعى إليها جمهور وكمّ وافر من الذين اختاروا هذا النمط البسيط الأولي من الشعر الذي في غالبيته يكون مفرغاً من الفحوى والعُمق الفكري، والصنعة الفنية، أو سعة الخيال، وجميع شروط الشعر بمعانيه الخالدة.
العدد الذي تقدم لمسابقة شاعر المليون في دورته الثانية فقط هائل، اثنا عشر ألف شاعر، وكأن هناك شاعراً لكل حي في الخليج، وكل شاعر من هؤلاء الشعراء هل يكتب الشعر بشروطه الفنية؟؟ أم أنه يكتب ويرصف الأبيات الطوال، التي تتحول بحد ذاتها إلى منشور يزدحم بالمعاني الساعية إلى ترويج قيم ترفض الدخول إلى المدينة الحديثة.
على سبيل المثال طبيعة الانتماءات القبلية التي تشتعل بين ثنايا القصائد، رافضة بهذا مفهوم الدولة والوطن.
أو النظرة إلى قيم العمل والالتزام والانضباط، فالرجل الذكر المثالي في القصيدة الشعبية ليس هو الرجل المخترع أو المفكر أو الملتزم بإشارات الطريق، بل هو ذلك (الذيب) (الوهاب النهاب) الكسول الذي قطع قلبه العشق والمشغول دوماً بمشاعره وغرائزه وحنينه المتصل للنساء بنظر بعضهم.
أيضاً الآخر الغريب في معظم القصائد الشعبية ليس مشروعاً للاكتشاف أو الدهشة أو التعرف على عالم جديد وثقافة مغايرة، بل الآخر يظل الغريب العجيب مصدر التوجس والريبة وجالب الموت، الذي يستثير شهوة الحرب والقتال البدائية.
أما المرأة فتظل تراوح في مكانها كموضوع غرائزي مثير، يثير اللواعج والتأوهات، مع ملايين الأبيات عن عذابات البُعد والفراق، بما في جميع هذا من إغفال للخصائص الإنسانية للمرأة كمخلوق يتمتع بكامل الوعي والإرادة.
القائمة تطول هنا عن القيم البائدة التي تتجلى في الكثير من القصائد الشعبية، والتي سيعاد ترويجها ونشرها واستيلادها عبر ذلك النوع من المسابقات، لكنها بالتأكيد مؤشر يقودنا إلى أبرز مظاهر المقاومة التي تتوسلها الأنماط القديمة لتبقى قادرة على العيش والتوالد والتأثير بداخل العديد من القصائد الشعبية.
لكن هذا بالتأكيد لا يمنع أن هناك كمّاً محدوداً من القصائد الشعبية التي تجاوزت هذا الفخ وحلَّقت عالياً في سماء الإبداع والتألق الشعري.