Al Jazirah NewsPaper Friday  11/01/2008 G Issue 12888
مقـالات
الجمعة 03 محرم 1429   العدد  12888
 
قراءة في: رصد لسياحة الفكر
د. محمد بن سعد الشويعر

 

بعد أن مرّ بنا الجزء الأول، من نفثات قلم معالي الدكتور عبدالعزيز الخويطر، متّعه الله بالصحة والعافية، فإن رصده لسياحة الفكر، في جزئه الأول ثم الثاني، يعتبر جولة ممتعة، مع الكتب وتولّيفها، في وفاء منه بلمسات رقيقة حانية، لا نصب فيها، ولا مجاملة.

بل يقول الحقيقة لذات الحقيقة، ولذا كان نقده مقبولاً ومسّه رقيقاً.

وقد تحدّث في هذا الجزء الثاني، الذي تبلغ صفحاته (480) صفحة، مع الفهارس عن (21) موضوعاً هي غراس فكري، أودعه الذين مدّوا معاليه، بكتبهم، التي تحمل أفكاراً متنوعات، ساح فيها قلمه: عرضاً وإشادة، ومساً رقيقاً كنسيم الصبا.. في أمسية من أمسيات نجد، لا ينيرها إلا ضوء القمر.

وبعد المقدمة التي استغرقت ثلاث صفحات، مؤملاً فيها: بأن يحفزه هذا العرض، لقراءة الكتاب الأصل، ومذكراً بالفكرة الأساس، التي أوجبت جمع هذه المقالات، وهو أن تكون مرجعاً، في متناول اليد، موضحاً أن منهجه في هذا الأمر، قد سبقه إليه فطاحل كتاب معروفون ومقدرون، قرأ لهم وهو في الثانوية (ص7).

وكان الرقم (1) من هذه الحصيلة، التي تشبه مزرعة يانعة، ثمارها، حيث يحتار زائرها: ماذا يأخذ وماذا يترك؟ إلا أن البدء كان عن كتابه: أيْ بُنى والذي كان بدعوة من سمو الأمير: سلطان بن فهد، الرئيس العام لرعاية الشباب، للمشاركة في أمسية ثقافية بمناسبة اختيار الرياض: عاصمة للثقافة العربية لعام 2000م وأن يكون الحديث عن كتابه (أيْ بنى).

فقد استعرض في (54) صفحة، الفكرة من الكتاب، والهدف رغم أنه عندما بدأت الفكرة، لم يكن قد جاءت ولد، ولكنه يعتبر أبناء المملكة كلّهم في هذه المخاطبة، التي يستعرض معهم الماضي مربوطاً بالحاضر، حتى يعرفوا، ما كان عليه الآباء والأجداد، والدور الكبير، الذي حقق به الملك عبدالعزيز - رحمه الله - هذا الكيان الكبير، دولة مستقرّة مترابطة بقيمها وعراقتها.. في أخوة وصفاء، تنعم بالأمن والرخاء، وتحمي المقدسات الإسلامية.

- لكنه في ص97 : لم ينسَ مداعباته، مع صنوه معالي الدكتور: غازي القصيبي، في حديثه عن قبيلته، التي حوّم حولها ولم يغص في عمقها.

- أما (اسم أريج)، الذي جاء عنواناً لديوان شعر للشاعرة: نورة الشبيلي، والذي استغرق عرضه أكثر من (89) صفحة، فإن له مع هذا الاسم المحبب للنفوس حكاية طريفة: إذْ استشاره صديقه الدكتور عمر الزواوي، المحب للمداعبة: وسأله عن اختيار اسم أريج، لابنته الجديدة، فداعبه: بأن هذا الاسم يوحي بصوت المدفع، لا يليق برقتْ البنت، ففطن لقصده، وقال: إنك لا تزال بدوياً في ذوقك، ثم استدرك: لماذا أظلم البداوة فيك، وعندي ما هو أوضح: أنت لا تشمّ، ومن لا يشمّ لا يدرك، ومن لا يدرك ليس من العدل أن يفتي، وإذا أفتى لا يؤخذ بفتواه.

ولما رزق الله الدكتور عبدالعزيز بنتاً لم يرق له تسميتها إلا بأريج، وعلم صديقه الدكتور الزواوي، وتذكر ما مضى وقال له: الآن أصبحت مدنياً، وعلا ذوقك (106)، بينما أحب الأريج من تسمية الشاعرة نورة لديوانها فكان ثالثة الأثافي.

ويقف عند تراث الأجداد الموضوع رقم (7) لعاشق التراث: محمد القويعي حيث تعلق به بحثاً وجرياً وراءه، فغاث على مضانّه، فأثنى عليه في جهوده وبحثه، حتى أنه أفسح له في بيته مكاناً بل أصبحت مأثوراته تزاحم أهله وأبناءه، ومع أنه لم يطل معه العرض، إلا أنه كساه وحللاً من الإشادة بما يستحقها القويعي، كما روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبناء هرم ومديح زهير لوالدهم: كسوتموه ما يبلى، وكساكم مالا يبلى (215 - 217).

- وفي الموضوع رقم (10) بعنوان الجنيّة، التي قال عنها: بأنها شعر ونثر، في صورة رواية هي من صدى الواقع، أحبّ - كما هي عادته مع الصديق غازي - بالمداعبات، عندما رآه قد طار إلى آفاق الخيال البعيدة، واختار طبقة عالية فألقى عصا التيار فيها، وأخذ يجول فيها بحرية، لا تعرف الحدود، ولا تخشى الارتطام، فالويل لمن ارتطمتْ به، وقد تخوف من سلاح د. غازي، فقدّم لذلك بقوله: تعب معالي الدكتور غازي مثلنا من إعمال العقل، وقَدَحَ زناده، وسنّ سكاكينه، وشحذ سيوفه، وأجهد نفسه في تقليب صفحات كتابه، والتنقيب في صحرائه حزنها وسهلها، واستخراج ما ظنّ أنه كنوز تهدى لمن يتطلع إلى الإهداء.

إلا أن تخوّفه من السكاكين المسنونة، والسيوف المشحوذة، قد تلاشت، لأنّ من خاف سلم، ومن احْبَوْبا صارّاً كتفيه، مترقباً صفعة على القفا، تحاشى ذلك الدكتور غازي بكرمه وقال: فأخذنا معه على جناح مركبة الرحلة، إلى عالم آخر لم يكن غريباً على بعضنا، فقد سمع عن بعض المتناقضات، فالجنّ شغلوا أذهان الناس، لأنهم أرْضعوا لبانهم وقصصهم، وهم أطفال، فهم في بعض الأذهان شريرون، وفي أذهانٍ خيّرون، حيث سبح مع معليه في رحلة فضاء إلى عالمهم، ثم إلى ما أضفاه على خيال الدكتور غازي في هذه الرواية الممزوجة: خيالاً بحقيقة غير مرئية (248 - 273).

- وفي الموضوعين (13و14) عن مقتطفات من القصص والنوادر، والأمثال النجدية للأستاذ عبدالرحمن بن عبدالعزيز المانع، وهو جهد فرح به الدكتور، لأنه عندما ينظر في شيء من التراث، يفرح به أكثر لأنه عن شيء معاصر، ويزداد الفرح عندما يكون مادّة حديثة مقبلة على الطبع والنشر، وهذا ما شعر به عندما أطلقه الأستاذ المانع على مادة كتابه في مسودّته.

وقد قارن ذلك، بما جمعه الأدباء في العصر العباسي، الذين لم يتركوا شاردة ولا واردة يسمعونها، أو تعدوا ذلك إلى قصص تخيلوها، وأمّلوا أنها قيلت من أناسٍ، فصارت اليوم من مصادر فخرنا: فيها الحكم والمواعظ، والعبر والأمثال، وهي مصدر للتسلية، وإبهاج القلب، وضرب نماذج من القديم، ثم أردف بما أعجب، من جديد الأستاذ عبدالرحمن المانع، في كتابه هذا، بأقسامه المختلفة: القصص والنوادر والأمثال والأشعار والوصايا، وغيرها، لكنه أثنى على المؤلف وعمله، الذي هو جهد نابع من بيئة المشهورين أهلها بالذكاء حيث قال: وأهل شقراء سريعو البديهة، والردّ عندهم لما يوجّه إليهم جاهز، وينطبق عليهم القول: (بندقهم مكيولة جاهزة) وكثيراً ما ينتهي الرد بضحكة مجلجلة (342 - 343).. ومعذرة إن لم أعطى هذا الكتاب حقه، فهو ممتع وجدير بالقراءة لما فيه من فوائد، ومعلومات بدون تعب من القارئ.

من أخبار مصر :

قال المسعودي في تاريخه مروج الذهب: كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب ومن أغرم بالحفائر وطلب الكنوز، وذخائر الملوك، والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر، قد وقع بأيديهم كتاب عن وصف موضع على أذرع يسيرة من بعض الأهرام، فيه مطلب عجيب، فأخبروا الأخشيد بذلك، فأذن لهم في حفره، وأباحهم استعمال الحيلة في إخراجه، فحفروا حفراً عظيماً، إلى أن انتهوا إلى أقباء وحجارة مجوّفة في صخر منقور، فيه تماثيل قائمة على أرجلها من أنواع الخشب، قد طليتْ بالأطلية، المانعة من سُرعَةِ البلى، وتفرق الأجزاء.

والصور مختلفة: منها صور شيوخ وشبان، ونساء وأطفال، أعينهم من أنواع الجواهر.

كالياقوت والزمرد، والفيروزج والزبرجد، ومنها ما هو وجوهها: من ذهب وفضّة، فكسروا بعض تلك التماثيل، فوجدوا في أجوافها رِمَماً بالية، وأجساماً فانية، وإلى جانب كل تمثال منها، نوع من الآنية، وكانت هذه الآنية تشبه (البرانيّ) وغيرها من الآلات من المرمر الرّخام، وفيه نوع من الطلاء الذي قد طُلي منه، ذلك الميت الموضوع في تمثال الخشب.

وما بقي من الطلاء متروك في ذلك الإناء، والطلاء دواء مسحوق، وأخلاط معمولة، لا رائحة لها: فجُعل منه على النار، ففاح منه روائح طيبة مختلفة، لا تعرف في الأنواع التي في الطيب.

وقد جعل كل تمثال من الخشب، على صورة مَنْ فيه من الناس، على اختلاف أسنانهم، ومقادير أعمارهم، وتباين صورهم، وبإزاء كل تمثال، من هذه التماثيل، تمثال من الحجر المرمر، أو من الرخام الأخضر، على هيئة الصنم على حسب عبادتهم للتماثيل والصور، وعليها أنواع من الكتابات، لم يقف على استخراجها أحد من أهل الملل، وزعم قوم من ذوي الدراية منهم، أن لذلك القلم، من حين فُقِد مِنْ الأرض، أعني أرض مصر - أربعة آلاف سنة، وفيما ذكرناه دلالة، على أن هؤلاء ليسوا يهوداً ولا نصارى، ولم يؤدهم الحفر إلا ما ذكرنا من هذه التماثيل، وكان ذلك سنة (328) من الهجرة (مروج الذهب 1: 408 - 409).



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5068 ثم إلى الكود 82244
التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد