نسبة عظيمة من البشر تحيا وتموت وهي (لا تفقه الحكمة من إيجادها) في هذه الدنيا، بل لا يخطر في بالها هذا الأمر على وجه الإطلاق، فمعنى ذلك أنها حكمت على نفسها دون أن تعي بأن تكون كالبهائم بل أضل سبيلا، تأكل وتشرب وتتكاثر، وإن سعت لشيء فإن طموحها لا يتجاوز أرنبة أنفها.
أما إذا فعلت خيرا أو شرا فيكاد يدخل في مجال العادات والتعود، لكن أن يكون لها أهداف بعيدة المدى تصب في صالح (مصرفها الأخروي) فهذا أمر لم تحسب له أي حساب ولم تخطط له على وجه من الوجوه، وإن عرفت فن التخطيط فهو تخطيط ساذج سطحي دنيوي قريب المدى.
ولكن أن يخطر على بال هؤلاء (ولاسيما الشبيبة والشابات) بأن الله خلق آدم وحواء وذريتهما من بعدهما ليس فقط (للعبادة المحضة)، إنما أيضا لكي يكونوا (خلفاء له في أرضه)، فهذا ما لا أتوقعه طالما حكمنا عليهم من خلال أفعالهم وأقوالهم بصورة مجملة.
نعم نحن جميعا خلفاء الله سبحانه في أرضه، فهل تطول أيها الإنسان المسكين أن تكون أهلا لهذه الخلافة الإلهية العظيمة، وهل أنت كفؤ لها؟ اقرأ قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}.
إن حكمة الخالق تتجلى في قوله: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أن هناك خفايا عديدة وحكما سديدة تقف خلف عملية خلق الإنسان ثم إنزاله الأرض، رغم أن هناك من ملأها (بالوحشية)، وهناك من يملؤها (بالسلبية) أيضا.
وكثير من الناس رجالا ونساء يغرقون في شبر ماء (ولاسيما النساء)، فالنفسية البشرية هشة غاية الهشاشة، تحيا وتموت وهي تتخبط في غربتها النفسية والروحية، باحثة عن مجرد قشة تنقذها من غرقها في بحار الألم والضياع.
إلا أن (قارب النجاة) ليس بعيدا وإن كان (العدو الأزلي) يحيطه بضبابية تعمي البصائر لا الإبصار، وهو (حبل الله المتين) الذي لا منقذ سواه مهما حارت العقول واحترقت النفوس، ومع ذلك تحيط بهذا الإنسان الضعيف (عقدة الاضطهاد) والخوف من ماذا؟ من نفسه حتى صنع لها (الذخيرة والأسلحة) كي يقضي عليها.
كل هذا ورب العالمين قد جعل له الأرض يسودها ويصول فيها ويجول، وجميع المخلوقات غيره هي أضعف منه إما جسدا أو عقلا أو كليهما، اقرأ قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ}.
والسؤال الأخير في هذا القول: بماذا ستجيب ربك العظيم إذا سألك أيها (الإنسان المغرور) يوم القيامة: ماذا فعلت يا عبدي ويا أمتي باستخلافي لكما في أرضي؟ وماذا قدمتما من خير لكما أو لبقية عبيدي وإمائي؟ فهل حافظتما على الأمانة التي رفضها الكون بأكمله ولكنكما تسرعتما بحملها دون إثبات لقدرتكما عليها؟!
كم نحن محتاجون أن نجيب إجابة دنيوية فاحصة قبل الإجابة الأخروية النهائية التي ليس بعدها تراجع أو عودة.
الأستاذ المشارك بكلية التربية للبنات بالرياض