أتكلم هنا اليوم، على مشروع حضري وحضاري في غاية الأهمية، ومنارة علمية عالية رفيعة، أهداها الملك المصلح (عبدالله بن عبدالعزيز) حفظه الله وسدد خطاه، لأكثر من مليون ونصف نسمة، من أبنائه وبناته ومواطنيه الأبرار في محافظة الطائف وما جاورها.
فقد ولدت جامعة الطائف على يديه وهو في ولاية العهد، حتى أضحت في وقتنا الحاضر، من كبريات الجامعات في المملكة، فهي تضم حالياً، (15 كلية)، وفيها (16000 طالب وطالبة)، ولها دور علمي وثقافي بارز، أخذ يظهر ويتبلور في محيطها، وفي المجتمع الذي تخدمه على وجه خاص.
* الملك (عبدالله بن عبدالعزيز) نصره الله، دعم هذه الجامعة قبل أقل من عامين، بمشروع حضري وحضاري فريد، عبارة عن مدينة جامعية متكاملة، تبلغ تكلفتها الإجمالية (7 مليارات ريال)، فيها عشرات الكليات، والمقار الإدارية والفنية، والمعامل والمختبرات، وفيها مساكن الأساتذة والمنسوبين، وفيها مستشفى جامعي كبير، يضم (400 سرير) في مرحلته الثانية، وفيها أمكنة للتسوق والترفيه، ويصلها طريق بالطائف والحوية، إلى جانب الطريق الدائري.
* هذا المشروع الحضري والحضاري، هو لمدينة جامعية حديثة، تنمو وتكبر دون مزاحمة من العمران، الذي أخذ يمتد شمالاً وشرقاً فقط وبسرعة، بعد أن أصبحت الطائف في حلوق الجبال من جهتي الجنوب والغرب، وضع حجر أساسه الملك المفدى في وادي جليل، من شرقي الطائف، قبل عام ونصف تقريباً، أثناء زيارته المباركة للطائف، ثم أرسيت المرحلة الأولى على شركة بدأت العمل فوراً في الموقع، وقطعت أشواطاً لا بأس بها، حتى ظهرت آراء أخرى لدى المسئولين في التعليم العالي، تقول ببعد الموقع عن الطائف، ورشحت بدلاً عنه، أرض متنزه سيسد الوطني، المحاذي للمدينة من الشرق والشمال، عندها.. توقف العمل هناك، ورحلت الشركة العاملة، وارتدت أنظار الناس هنا وهي حسيرة، إلى حيث المجهول من جديد، مع كثير من الأسى والأسف، على ضياع الوقت الذي قارب السنتين، ومع خيبة أمل في حلم جاءت بدايته متعثرة، وظهرت ولادته متعسرة، والكل يتساءل: كم سنة أخرى سوف تضاف إلى عمر هذه المدينة الجامعية، وهي ما زالت في المخاض الأول..؟ خاصة وأن موقعها الجديد المرشح -حسب ما يتردد اليوم في المجالس- محاط بكثير من المحاذير والصعوبات التي تتطلب الكثير من الجهد، والمزيد من الوقت والمال أيضاً.
* إن متنزه سيسد الوطني.. كان حمى من عهد المؤسس (الملك عبدالعزيز) رحمه الله، وظل كذلك، حتى نزعت ملكيته قبل تسعة أعوام لصالح وزارة الزراعة، فخصص كمتنزه وطني وحيد لمحافظة الطائف، ورصدت مبالغ كبيرة لتطويره وتأهيله، وأقيمت فيه بنى تحتية جيدة، من حدائق ومنتجعات وغيرها، وافتتحه الملك عبدالله - حفظه الله- وهو ولي للعهد في حفل بهيج، فأصبح مقصداً للسياح والمتنزهين حتى اليوم.
* وما يثير المخاوف من التأخير في إقامة المدينة الجامعية في سيسد -إذا ما رأت التعليم العالي ذلك- أمور عدة، علمها من علمها، وجهلها من جهلها، وعسى أن يكون المسئولون في التعليم العالي، ممن علمها. ومنها:
1: سيسد هو اليوم وسط العمران، فقد أحاطت به المخططات والمباني من جميع الجهات، فالمدينة الجامعية القادمة، ستقوم داخل المدينة الأم لا محالة.
2: وسيسد عبارة عن عدة أشعب وجبال كثيرة، فهل هذه التضاريس الجبلية الصعبة، لا تشكل عائقاً أمام مشروع كبير، يتطلب مساحة شاسعة ومنبسطة..؟ وبالتالي تضاف كلفة أخرى على المخصص للمشروع..؟
3: ويقع سيسد على مقربة من الطمر الصحي الذي يحاذي شبك المتنزه من الجنوب، فهل أخذ في الحسبان، ما ينتج عنه من تلوث بيئي، وأضرار صحية..؟
4: وعلى بوابة سيسد الغربية، تقع محطة الغاز، وهي محطة كبيرة، تغذي المنطقتين، الغربية والجنوبية، فهل يعني هذا شيئاً لمشروع، سوف يضم عشرات آلاف الطلاب والأساتذة في المستقبل القريب...؟
5: وتتناثر في داخل سيسد، (36 مزرعة للدواجن). فكيف يتخلص هذا المشروع الكبير، من هكذا معضلة في ظرف عام أو عامين أو حتى ثلاثة..؟ وما الثمن الذي سوف يُستقطع من مخصص المدينة الجامعية، لتعويض المستثمر، أو إيجاد أمكنة بديلة، في أراض كلها مملوكة تقريباً..؟
6: وفي داخل متنزه سيسد، معالم تاريخية وأثرية، منها سد معاوية الشهير، الذي أنشئ عام (58هـ)، وهو أول سد أموي بالطائف من بين (70 سداً)، أقيمت على كثير من أوديته، زمن ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي، إضافة إلى نقوش صخرية عديدة، إسلامية وثمودية وغيرها، وكذلك غطاء نباتي من أشجار شوكية، تشكل أكثر من غابة، وأكثر من متنزه بري في أشعب المتنزه. ما موقف الهيئة العليا للسياحة والآثار من هذه الثروة..؟ وهل هذا كله، مأخوذ في الحسبان..؟ خاصة ونحن نعرف جيداً، طغيان العمران على الطبيعة، وعلى المعالم والآثار.
أخيراً.. هناك عندي سؤال يتجاوز هذا كله، وأطلب من مسئولي التعليم العالي، التفضل بالإجابة عنه: كيف وقع اختياركم على موقع للمدينة الجامعية في وادي جليل، كان وقتها قريباً من الطائف، ثم أصبح بعد تدشينه ووضع حجر أساسه بشكل رسمي، بعيداً عن الطائف، ويجري تبديله..؟!
هذا.. إن صح القول، بمقر بديل عن مقر وادي جليل.
assahm@maktoob.com