زرت الأسبوع الماضي إحدى الأسواق الشعبية في الرياض، وباغتني مشهد النساء البائعات اللواتي يحطن كالسوار بأطراف السوق وهوامشه.
كن يجلسن بإباء بين بضائعهن كالملكات فوق عروشهن، عرش العفة وحفظ ماء الوجه وعدم الرضوخ لانكسار الحاجة ومهانة السؤال، كن ينبتن في مواقعهن كما تنبت الزهور الصحراوية بين جفاف الرمل وصرامة الحجر، وبضائعهن تطوقهن وهي تبرق بألوان الذاكرة في البيوت القديمة، قماش (الشالكي) ومسحوق الحناء، الأقط والكليجا، وبهارات نعرف أنها تعطي النكهة الحلال للقمة الشريفة.
يومها كان البرد الصحراوي قارساً والرياح الشمالية قد أشهرت خناجرها المثلجة، ولم يكن هناك من مكان يعصم الملكات من تلك الرياح المتجهمة، بينما كان البائعون الغرباء القادمون من أقطار الأرض ينعمون بالدفء وأكواب الشاي الساخنة داخل المحلات، المشهد لم يكن فقط غريباً، بل محرجاً لجميع المعقول والمنطقي في أذهاننا، ليس هذا فقط، بل يثير أسئلة متعجبة عن طبيعة علاقتنا المتأزمة مع المرأة، وعن طبيعة الحواجز والموانع التي نرفعها بوجهها لتترصد بإنسانيتها وقدراتها على الكفاف والعفاف.
هذا المشهد القاتم كان يقابله في نفس الأسبوع مشهد آخر يناقضه ولعله يلطفه ويرممه، فقد سعدت بأمسية شتوية مختلفة تحت عنوان (نحن معاً) وهي أمسية لدعم عمل الحرفيات بمنطقة القصيم.
هذه الأمسية النادرة التي نظمتها لجنة حرف القصيم التي ترأستها الأميرة (نورة بنت محمد)، قامت بالتقصي والبحث عن جميع النساء الماهرات في الأعمال اليدوية والمشغولات الفنية الشعبية, ومن ثم تم احتوائهن في مجموعات عمل منظمة، يستطعن من خلالها تسويق إنتاجهن وتطويره وإبرازه كواجهة جمالية فاتنة للعالم الخارجي، وقبل كل شيء يؤصل إحساسهن بقيمتهن، بندرتهن، بتميزهن كمواطنات يحملن بين أصابعهن الذهبية تراث أمة وجزءا أصيلا ومميزا من تاريخ محاصر بالتهميش والاندثار.
ذلك الجزء الذي يحمل التفاصيل الملونة المشرقة المعنية بإضفاء الجمال على المحيط الخارجي (وهو الأمر الذي تتقنه جميع نساء الأرض)، حيث قامت الحرفيات بنقش ملابس وأردية حديثة لكن لها جذورها التراثية، فكونت مشهداً في غاية الجمال والأصالة عندما عرضت على الجمهور، مشهد اشتبكت الأيدي الوطنية في تصميمه والحدب عليه لإخراجه إلى الجمهور بهذه الحلة الفاخرة.
لعل هذه الأمسية التي كانت الحرفيات فيها يرصعن أنحاء القاعة بإنتاجهن تبرز كرحم وطني رحب يحفظ جزءا مهما من تراثنا الشعبي، ولعلها ترمم قليلا المشهد المؤسي الذي يطوق النساء البائعات والمنتجات اللواتي تغلق المحلات الآمنة دونهن الأبواب وتدفعهن إلى الهوامش والأطراف.