أنْ نقدِّم أنفسنا للمشهد العالمي: إسلاميين أو قوميين أو قُطْريِّين أو شرق أوسطيين بمفهومه القديم، أو بصيغته الجديدة التي لم تتحقق بعد على الرغم من استنزاف الأموال والدماء، فذلك حتم مقضي،
إذ لا يمكن أن تكونَ أيُ جماعةَ بلا هُويَّة، ولا هوية إذا لم تكن الجماعة مقتنعة بما هي عليه، أو بما يجب أن تكون عليه، وما لم تكن متفانية في تحقيق السمة والخصوصية التي أريد لها أن تكون على الشكل الذي تَرْضَى فيه عن نفسها، وبوضع يمكنها من العيش الكريم، والتناغم مع العصر المسارع في التحول، ومتى حملت التجمعاتُ الإنسانية سماتِها، وسَعَتْ جاهدةً لتحقيق وجودها الكريم بين الأمم قام الصراع على السلطة أو من أجل المصالح، أو لغرض الاحتواء، أو لهدف الإجهاض، وتلك سُنةٌ ماضية، والضعيف وَحْدَه هو الذي يأكل السياط، ويتجرع مرارة الهزائم، وكل مواجهة حسية أو معنوية لا يتم حسمها إلا بالصلح المجحف أو بالانتصار الجائر، وقلَّ أن يكون الضرر قسمة بين الطرفين، ومن لم يتصور هذه الحتميات، ويُعِد العدة لها، يأخذه الأعداءُ بياتاً أو وهو نائم، كما الساعة.
ولعلنا نسبق الحديث بتجديد صُنَّاع الوعي وصُنَّاع الكيان وأهمية التناغم بين المناهج والآليات فيما بينهما إذ لا خلوص من الحَوْر حين لا يكون توافق وانسجام بين رجل السياسة ورجل الفكر.
وما أخَرَّ بالقضايا المصيرية إلا ذهاب كل فئة بما هي عليه دون النظر إلى من حولها من شركاء المكان والزمان والقضايا، والتمايز لا يعني التدابر، كما أن الاختلاط لا يعني الاعتصام، وإذ لا يكون من بوادر النجاح والنجاة خلط الأوراق فإنه ليس من السهل فرز الفئات عن بعضها، وتحديد المهمات لكل فئة منها، وأسوأ الأحوال اختلاط المهمات، وتنازع المنجزين لها فيما بينهم، بحيث يكون السياسي مكان المفكر، والعسكري مكان السياسي، والعامي مكان العالم، ولقد كان داء العالم الثالث الفردية وتبادل المواقع وغياب أهل الحل والعقد والخلط بين السلطات الثلاث، وبقدر الخوف من الاختلاط الفوضوي، يقوم خوف مناقض، وذلك حين لا تكون هناك قواسم مشتركة بين الأطياف والمرجعيات الحاسمة لخلاف المجتهدين الذين يملكون حق الاجتهاد بشروطه وإمكانياته أو حين يكون الخلاف حول ثوابت الأمة ومسلماتها، أو حين لا تكون الثوابت والمسلمات متفقاً عليها، وداء المشاهد تساوي الناشطين، وتماثل القضايا والتعدي والاستعداء واختلاط الأصوات إلى حد اللغو تحت تأثير المفاهيم السَّقِيمة لحرية التفكير والتعبير، وحقوق الإنسان، وأَمْداءِ المسؤوليات.
فالمفكرون والعلماء والمعلمون والإعلاميون هم وحدهم الذين يصنعون الوعي، ويتولون حوار الحضارات، لأنهم حملة الأمانة: أمانة الدعوة والإرشاد والتوعية والتثقيف، وإذا كان الجنود يحمون الثغور فإن أولئك يحمون الأجواء من تلوث الأفكار، وبناء الجانب المعنوي لأي كيان لا يقل أهمية عن بناء كافة الجوانب المادية، وليس هناك أهم من الإيمان بالمبادئ المتفق عليها:
و: (إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لم يحي ديناً)
ولن يتحقق الوجود السَّوي والقوي إلا بعقيدة صحيحة قائمة في الأعماق وشرعة ومنهاج متمثلين في الواقع، والعقيدة والشريعة ينفيان التمييع والتلفيق الماثلين في بعض المشاهد ومن بعض قادة الفكر، على أن إشاعة المبادئ وترسيخها في النفوس لا تكونان بالحشد والتلقين والإكراه، إن هناك الإقناع القائم على الجدل المتعقل والحوار الحضاري والقدوة الصالحة، بحيث يكون المفكر والداعية والعالم مصاحف يمشون في الأسواق، ومن محققات الانهزام الداخلي أن يقول الإنسان ما لا يفعل: {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، وأي بناء حضاري لا يبدأ بالإنسان يكون مصيره الفشل لأنه في النهاية مدينة مادية زائفة، وصناعة الإنسان لا تقف عند بناء جسمه وتحقيق شهواته، وإن كان العقل السليم في الجسم السليم، وإنما تمتد إلى العقول والأفكار والأخلاق والمهارات، وهي التي لم يظفر بها الدهماء من الناس ولم يعطها العالم الثالث ما هي أهلٌ له، وتفعيل أي مؤسسة لن يكون من خلال نظامها وموظفيها، وإنما هو من خلال التفاعل معها، ولا تفاعل دون صناعة الذهنيات القابلة للعمل الجماعي، واستفحال الفردية والأثرة موهنٌ للقوى التي يُتَوسَّلُ بها لممارسة الحق بندية وأهلية، والدين الإسلامي الذي يدعو إلى القوة المطلقة لا يقف عند حد القوة العسكرية، وإنما يمتد إلى مجمل القوى، ولهذا جاءت الدعوة مفكرة لتدل على العموم والشمول والتنوع: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.
وجاءت القوة الحسية في سياق التبعيض، ولما كان الصراع أزلياً كان السلم مرحلياً تأخذ به الأمة نفسها لجولة قادمة ودعاة السلام السياسيين والمفكرين ك(غاندي) و(جودت سعيد) لا يصلحون لكل المراحل ف(الظلم من شيم النفوس) وواجب كل أمة في ظل هذه التقلبات أن تجنح في مواجهة قدرها المحتوم في السلم والحرب إلى المأسسة، فالجهود الفردية كالعصي المتفرقة سهلة الكسر، وصدق الله: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ} وليس القتال هنا وقفاً على المواجهة العسكرية، إن الغزو الفكري تتنوع أساليبه، ولهذا أشار الذكر الحكيم إلى أن الفتنة أشد من القتل، واختصار المواجهة مع الآخر بالمواجهة العسكرية يفوت على الأمة أخذ الحذر من مواجهات أكبر.
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ
الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا}، فالمواجهة هنا بالقول الغرور وهو أكسير المواجهة الفكرية التي قد لا يحسب لها البعض حساباً متكافئاً، بل نجد من يسخر من التفكير بالغزو والتآمر ويرى أن هذا الهاجس عقدة نفسية تعطل إمكانية التفاعل الحضاري الإنساني، وآية (التوبة) حول خروج المنافقين للغزو تؤكد حرص العدو على خلخلة الصفوف وابتغاء الفتنة.
إن صراع المنهزمين لا يتجاوز التلاوم وتبادل الاتهامات والتنصل من المسؤولية، وما يدري هؤلاء أنهم أمام تحديات تتناسل وتشتد صلابة.
وأزمة التحديات تتمثل في تعدد المجالات، فالتحدي الاقتصادي لا يواجه بالخطاب البلاغي والتحدي العلمي لا يواجه بالأساليب الأدبية والتحدي الاجتماعي لا يواجه بالاستهجان والرفض دون تبرير والتحدي الفكري لا يواجه بخطاب المفاضلة والتصدير ولن يتأتى التنوع السليم بجهود فردية واهية أو متدابرة، إذ ما أضر بالأمة ومصالحها إلا الارتجال والاهتياج الأعزل وتأليه الهوى، وحين نقطع ونقنع بأن الإسلام هو الحل والبديل كما يقول (هوفمان) تكون أمامنا إشكالية حمل الآخر على القبول بهذه الرؤية، وتحييده على الأقل لكي نمارس حقنا في اختيار الشرعة والمنهاج اللذين يناسبان لنا، والحمل وهو هدف الدعوة والإبلاغ لا يتم بتوصيل قناعتنا نحن بما نحن عليه، وإنما يتم بالتوفر على إمكانيات لإقناع الآخر، وذلك مكمن الخطورة في المواجهة، وقبل أن تفكر في حمل الآخر على رؤيتك يجب أن تتأكد من أن واقعك المعرفي والنظامي والسلوكي وإمكانياتك قادرة على سبق الكلام في الإقناع.
وإذا كان (أبو تمام) في (بائيته) قد فاضل بين الصفائح والصحائف، وجعل حد السيف هو الحد بين الجد واللعب فإن خطاب القوة يختلف عن خطاب الضعف، وخطاب التقدم يختلف عن خطاب التخلف، ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى قوة الصحائف ونفاذها وتمكنها من الإمتاع والاستمالة والإقناع، ولن يتأتى لنا المراد بهذا التشرذم إذ لا بد من المواجهة بالمثل، والمعادل تحكمه مؤسسات ولا يجتاله أفراد، وتظاهره قوة رادعة ترهب الأعداء، قوة حسية ومعنوية، بحيث تقدم الأمة نفسها إلى كافة المشاهد من خلال منجزات تبرهن فيها عن وعيها الدقيق للحياة الدنيا، وذلك بعض ما يفتقر إليه شرقنا المتوارية شمسه بالحجاب.