عُيِّنت رئيساً لتحرير صحيفة الجزيرة خلال فترة توزير المغفور له - إن شاء الله - الشيخ إبراهيم العنقري للإعلام، وتلقيت موافقة المقام السامي على هذا التعيين منه شخصياً، وسافرت في أول رحلة صحفية لي إلى خارج المملكة باختياره وثقته وتوجيهاته، وقضيت كل سنوات عمله وزيراً للإعلام على رأس العمل في رئاستي لتحرير صحيفة الجزيرة.
***
وكان الفقيد بحق أباً ومعلماً ومسؤولاً كبيراً يعتمد عليه في الصدق والأمان والمشورة كلما كانت هناك مشكلة أو مرّ الصحفي بحالة تحتاج إلى درايته وحكمته في حلها، مع أن هناك من يتوهم بسبب انطباع خاطئ بأن الرجل اعتاد أن ينأى بنفسه عن القيام بدور كهذا.
***
ومن تجربة طويلة في عملي قريباً منه، ومن خبرة في قضايا شائكة مرت بنا أثناء عمله وزيراً للإعلام، أصدقكم القول بأن الرجل بقدر ما كان يتميز به من حزم وصرامة وشدة، فقد كان حريصاً على أن يقوِّم أي اعوجاج أو خطأ دون أن يؤذي أحداً أو يسيء لكائن من كان، مع تمسكه واحتفاظه والتزامه بالمبادئ التي اعتمد عليها في خدمة دينه وبلاده ووطنه.
***
أقول هذا وأنا حزين إذ يفقد الوطن هذا الرجل الذي بذل وأعطى وأخلص إلى أن تقاعد برغبته بعد أكثر من نصف قرن وزيراً لثلاث وزارات ومستشاراً خاصاً للملك، بخلاف المواقع القيادية الأخرى واللجان الكثيرة التي ساهم بها كأفضل ما يساهم بها مواطن في خدمة الوطن الغالي.
***
ذات يوم غضب الملك فيصل - رحمه الله - لأننا نشرنا في صحيفة الجزيرة وبالتفاصيل الدقيقة معلومات مهمة عن مشروعات للمؤسسة العامة لتحلية المياه كانت ستطرح في مناقصة للمنافسة عليها، فإذا بالشيخ العنقري يستدعيني إلى مكتبه للتفاهم على حل لتطويق المشكلة، مع توجيهات مهذبة ينكر فيها علينا هذا التسرع في النشر، مؤكداً على ضرورة الالتزام مستقبلاً بما ينبغي وبما لا يتكرر من مخالفات لقواعد النشر.
***
لم يكن عندي ما أبرر به تسرعنا في نشر هذه المعلومات الكاملة عن هذه المشروعات وتفاصيل شروطها ومواصفاتها والحدود المالية المقبولة لترسيتها، أكثر من أنني تركت معالجة الأمر لحكمة الفقيد ودرايته واستثمار الثقة التي كان يتمتع بها لدى الملك فيصل في معالجة المشكلة. وهذا ما تم فعلاً حيث حسم الأمر وعالجه بطريقته وأسلوبه، معتمداً على ثقة القيادة برؤيته وإخلاصه.
***
وإذ نفقد اليوم الوزير الذي آثر أن يبتعد طيلة حياته - حتى وهو وزير الإعلام- عن فلاشات الإعلام والأضواء، مفضلاً العمل بصمت وهدوء رغم المسؤوليات الجسام التي تحملها في وزارة الداخلية ووزارة البلديات ووزارة الإعلام ووزارة العمل، وبقية المواقع الأخرى المهمة التي تبوأها. فلا يمكن أن أنسى -ضمن مواقف أخرى كثيرة -مواساته لي حين وفاة ابني فهد - رحمه الله - وحرصه على أن يكون أول المبادرين بالزيارة لتقديم العزاء، وتلك الكلمات العاطفية التي قالها لي، بما لا يمكن لي إلا أن أتذكرها حين علمت بوفاته - رحمه الله- وفعل مثل هذا وأكثر حين وفاة والدي رحمه الله حيث كان وفياً ومحباً وتأثر كثيراً لوفاة الوالد أثناء حضوره العزاء وهكذا هو مع الجميع يواسي كل مكلوم ولا يتأخر في أداء واجباته الاجتماعية في وطن الأسرة الواحدة.
***
لقد أمضى (أبو مازن) حياته جاداً في عمله وفي تعامله، بما ميز شخصيته عن غيره من المسؤولين. نسأل الله أن يغفر له، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان، فوفاته خسارة لهم وللوطن ولمحبيه الكثر.