Al Jazirah NewsPaper Wednesday  16/01/2008 G Issue 12893
مقـالات
الاربعاء 08 محرم 1429   العدد  12893
 
مركاز
تجربة شخصية
حسين علي حسين

 

في بلادنا الآن ظاهرة خطيرة بدأت تتنامى منذ سنوات، كانت أولاً في المناطق المقدسة، لكنها الآن عمَّت جميع المناطق، خصوصاً بعد السماح بالتنقل دون قيود للعاملين في القطاعين العام والخاص والمنازل من الأجانب، هذه الظاهرة، وهي الهروب شبه الجماعي للعمالة من الجنسين، وهم للأسف لا يهربون الآن لعدم دفع الراتب أو سوء المعاملة كما كان في السابق، لكنهم يهربون الآن لأسباب أخرى يعلمها جيداً العاملون في الأجهزة المختصة، وأبرزها البحث عن راتب أعلى أو البحث عن دخل حر، قد يأتي من الدعارة، وقد يأتي من تصنيع الخمور، وقد يأتي من السطو. وقد كنت -والله- أعذر الخادمة التي تفر من منزل مخدومها فتلجأ إلى سفارة بلادها أو تلجأ إلى الشرطة، فراراً من سوء المعاملة وعدم دفع الراتب والعمل بشكل متواصل دون إعطائها وقتاً للراحة، حتى اكتويت بهذه النار، فقد هربت العاملة في منزلنا بعد أن أخذت آخر راتب لها، وذابت في مدينة الرياض ولم نعلم عنها شيئاً حتى الآن، وبعدها بشهر هربت العاملة الثانية بالطريقة نفسها، مع أن الواحدة منهما تكاد تطقطق من قلة العمل، فعمل الواحدة منهما لا يزيد عن ست ساعات يومياً، وهناك غرفة خاصة ومطبخ مفتوح تأكل منه وتشرب أكثر منا، ويا ريت واحدة منهما لجأت للشرطة أو السفارة حتى نعرف أوجه تقصيرنا فنعالجها، لكنهما ذابتا تماماً ولم نملك إلا أن نبلغ عنهما، ومثلنا آلاف مؤلفة.

ومنذ أن حدث الهروبان وأنا أتقصى وأتشكي لما لم أفعل من قبل، لكن هذه المرة بحثاً عمَّن وراء حالات الهروب هذه، وقد قيل لي ولست متأكداً من ذلك فعلاً، أن هناك قطاعاً كبيراً من الرجال والنساء، مواطنين وغير مواطنين ضالعين في هذه الظاهرة، وسوف أعطي لمن يهمه الأمر تجارب شخصية بحتة. فعندما تأخر سائق المنزل رغبنا في الاستعانة بسائق مؤقت، وسألنا في البداية بعض مكاتب الاستقدام لتوفر لنا سائقاً، لكن جميع من سألناهم اعتذروا، وهنا تبرع بعض المعارف بالاتصال بمن يعرفون أنهم يوفرون سائقاً بنظام الإعارة، وقد طرق منزلنا في اليوم التالي رجل ففتحت باب المنزل لأجد أمامي شاباً سعودياً بثياب نوم، وخلفه سيارة صغيرة حشر فيها أربعة أشخاص لأختار منهم واحداً، والراتب ألف وخمسمائة وعمولته الفورية ثلاثمائة وخمسون ريالاً على الرأس (عفواً السائق)، وهو يأخذ العمولة وراتب الشهر ويترك لنا السائق. سألته عن إقامة السائق وجواز سفره وخطاب الإعارة، فقال لي بلا مبالاة: يا رجال محد متعرض له. وقد صرفته ومن معه، وتحملنا أجور الليموزين الوالعة والتي هي أرحم من إيواء طريد للعدالة والذي ربما يكون مطلوباً في أمور أكبر وأمر.

وما حصل مع السائق حصل مع عاملة المنزل، فالتي أردنا الاستعانة بها جاءت ومعها المسوقة وهي في الغالب سعودية أو أثيوبية وأحياناً مغربية، والراتب أيضاً ألف وخمسمائة أما العمولة فهي مائتا ريال. وكل هؤلاء طردتهم من عند الباب، فقد كنت أعتقد أن العاملة فائضة عند عائلة سعودية، لكن الحاصل أو الذي وجدناه غير ذلك. وللأسف من يدبرون أمور السائقين والعاملات الهاربين يلبسون طاقية الإخفاء، فهواتفهم ترن على الدوام وتتغير على الدوام.

لقد عشنا أياماً صعبة حتى أتى سائقنا، ونعيش أياماً صعبة حتى تأتي عاملتنا الجديدة. ونحن نسأل، لمصلحة من هذا التدوير للعمالة؟ يأتون إلينا بعقود صحيحة وبمبالغ باهظة، ثم يهربون منا، لنبحث عن غيرهم، وبعد أن كنا من أحباب النظام إذا بنا تحت ضغط الحاجة نتجاوز النظام، وكأننا نعين المجرم على جرمه، والسبب في كل ذلك، هل هو ضعف الرواتب، بؤس نظام الاستقدام الحالي، عدم السماح بقيادة المرأة للسيارة أم عدم وجود مكاتب تخديم نظامية؟ أسئلة كثيرة.. كثيرة.. جداً.. وللأسف.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5137 ثم إلى الكود 82244
التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد