Al Jazirah NewsPaper Wednesday  16/01/2008 G Issue 12893
مقـالات
الاربعاء 08 محرم 1429   العدد  12893
 

جناية العناوين..!
د. إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

 

الحاجة ماسة لتسمية الأشياء بمسمياتها؛ فالغش غير التجارة، والنفاق غير المجاملة، والتعصب مختلف عن المحافظة، والتشدد ليس الالتزام، والعناوين مدخل ومخرج، وأفق ونفق، وإشارات قد تدل أو تزل!

(1)

(الحلف الرباعي): كتاب لطيف قرأه جيلنا ضمن محتويات مكتبة المعهد العلمي بعنيزة لمؤلفه الشيخ أحمد الصالح البسام - عليه رحمةُ الله - واحتوى - وفق إسعاف الذاكرة - قصصاً وحكاياتٍ وأشعارا، وكنا نتبادل منها أبياتاً طريفة، ربما جاء بعضُها دالاً على الهوية المحليّة، إذ ضمنها إشارة إلى الأكلة المعروفة في القصيم: (الكليجا)، ولضرورة الشعر سماها (كيلجا):

ألم تر أن الله أرسل مُزنه

وأطعمنا خبزاً وزبدا وكيلجا

** تقف الذاكرة هنا ويستعصى عليها ذكر البيت أو (الأبيات التالية)، وتستدعي منها (ماء الغمام المثلّجا)، وربما يكون الشاعر قد كتب نصه في أيام شتويّة كهذه، فرأى (البَرْد) مع (البَرَد) حيث يخرج الأطفال بملابسهم لينشدوا مع أولى قطرات السماء: (يا الله مطر، يا الله سيل)، ورعى الله أزمنة الغيث والفرح!

** ليكنْ أيّ شيء، ولتبقَ المقدمة السابقة دلالة على نوعيّة المحتوى؛ إذ يجهل صاحبكم حتى اليوم سرّ عنوانه (الحلف الرباعي) الذي ربما أشار إلى معانٍ بعيدة ترتبط - في ذلك الزمن - بحلف بغداد والعدوان الثلاثي وما جرى مجراهما، ولم يعش ليشهد الأحلاف الرباعية اللبنانية والعراقية في غياب المعنى الحقيقي للوطن الواحد والانتماء العروبي..!

** ويذكرُ - من جمعية المكتبة الطلابية - أن من بين من استعاروا الكتاب طبيب المدينة الأشهر حينها (محمد كمال الحاج عبد) - رحمه الله - وكنا نتندر بأنه قد قرأَ العنوان فظنّه سياسيا، وكنا نتخيّل ردود فعله حين تصفح الكتاب فواجهته الحقيقة..!

** الكتاب - لا شك - جميل في إطاره (الحكائي) / الخفيف، وله مماثلاته في التراث الإنساني الشامل، ولا يزال في بني أبينا من هو مهتمٌ بهذا الفن من التآليف التجميعية، ولها محبّوها، ومن هم الذين لم يقرأوا - في بداياتهم - (مستطرف الأبشيهي)..؟!

(2)

** الحديثُ هنا يمسُّ دلالة العنوان الذي يجيء جامعاً حينا، وخادعا حينا آخر، وفينا كثيرون اشتروا كتباً بإيحاءات عناوينها حتى إذا تصفحوها وجدوها خِلْواً من المضمون المرتبط بنقش الشكل، وحين كتب زكريا أوزون: (جناية سيبويه: الرفض التام لما في النحو من أوهام)، و(جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدثين)، و(جناية الشافعي: تخليص الأمة من فقه الأئمة)، فقد أوحت العناوين بنقاش مركز على مشكلة النحو ورواية الحديث واختلاف الفقهاء؛ فإذا هي انطباعات هزيلة لا تستحق بعض التفات، وأسف من دفع فيها مبلغاًُ وتحمل عناءَ نقلها والتنقل بها..!

** وجاء كتاب (عصر العلم) للدكتور أحمد زويل صادماً كذلك، إذ لا يعدو سيرة ذاتية مبالغة تركّز على (الشخص)، وقرأ صاحبكم من اقترح تسميته (عصر زويل)، ومعه حق، ولو سماه: (حكاية زويل) لكان أصدق..!

** ولم تقف العناوين عند التآليف العامة، بل امتدت للبحوث المحكّمة؛ حيث يفاجأ قارئها بعدم الالتزام بالشروط المعتمدة على العلميّة والدقة وأن تُصبح لكل كلمة دلالاتُها المحددة..!

** ولا جدل أن (العنوان) يأخذ اهتماماً كبيراً من المؤلف والباحث؛ غير أنه قد يترك للنهاية في الكتب العامة، بينما هو المبتدأ في الأبحاث المنهجيّة..!

(3)

** يمثل العنوان منطلق الرحلة وخاتمتها، ويراه المتخصصون: مفتاح الولوج إلى المتن، وقد عزّز النقدُ الحديثُ هذه الرؤية بعد بروز بعض المذاهب النقديّة كالبنيويّة، ومع العناية المتزايدة بعلم العلامات (السيموطيقية)..!

** والعنوان - بالمصطلح العلمي - ذو وظائف مهمة في تعيين النص وتحديد مضمونه والتأثير على جمهوره، بينما اقتنع (رومان ياكبسون) في كتابه المعروف (قضايا الشعريّة) - دارتوبقال -) أن العنوان يؤدي خمس مهام: انفعالية ومرجعية وانتباهية وجمالية ومتالغوية، وثمة باحثون اقتنعوا بوظيفة العنوان التحريضية، وهي وظيفة أجاد اقتناصَها المؤدلجون؛ فباتت كتبُهم نداءات تعزف على الأوتار العاطفيّة، وربما استغلتْ المشاعرُ الدينية فألب العنوان وسوّق وانتشر بما لا يستطيعه الكتاب العلمي المؤمن أن العنوان يحدد الهوية ويصف النص ويوحي بالمضمون، ولعل مشكلة العنوان المؤدلجة هي ذاتُها مشكلته التجارية، وفي زمننا كنا تشتري سلسلة: (كيف تتكلم الإنجليزية في خمسة أيام بدون معلم..؟)، ومع أن لا أحد يمكنه التصديق بتعلم مهارة فضلاً عن لغة خلال أيام فقد لقيت السلسلة رواجاً حتى كانت تباع في الدكاكين والميادين..!

** راجت السلسلة واغتنى الناشر / التاجر، وبالمثل بات بعض الكُتّاب حريصين على اختيار عنوان مثير لعلمهم أن الناس تقرؤه وتقرّر الشراءَ من خلاله فأولاءِ يقتنون وأولئك يغتنون..!

(4)

** لعل المنفلوطي 1876-1924م من أوائل من كتب في خداع العناوين، وإذ ناقش حكاية الكتاب الذي يقال خطأً: إنه يعرف من عنوانه متمثلاً بكتاب (بدائع الزهور) فقد أكد: أن العناوين أدلّ على نقائضها منها على مفهوماتها، وألصق بأضدادها منها بمنطوقاتها..!

** ولا يقف خداعُ العناوين عند الكتب، بل يتجاوزها إلى الشخوص والأعمال والأماكن والأدلجات والبرامج والسياسات، ويفجؤك أن تجد الأمة كلها تنقاد لتيّار أو شعار ثم يكتشف التابعون الوهم، وحينها لات وقت الندم..!

** رفعت رايات كثيرةٌ ضَلّت وأضلت، وسارت الأجيال خلف نداء الوحدة والتحرير والحرية والجهاد، ثم اكتشفتْ التمزقَ والاستلاب والعبودية والمغامرة والإرهاب والارتهان لمصالح ضد المصالح، ولأفكارٍ تدفع للانهيار..!

** الحاجة ماسة لتسمية الأشياء بمسمياتها؛ فالغش غير التجارة، والنفاق غير المجاملة، والتعصب مختلف عن المحافظة، والتشدد ليس الالتزام، والعناوين مدخل ومخرج، وأفق ونفق، وإشارات قد تدل أو تُزل..!

(5)

** في النظريات الإعلاميّة تتفوق نظرية الW.O.M أو (التناقل الشفاهي)؛ إذ يكفي أن يَرى واحدٌ لينقل لاثنين، وهذان لأربعة، ثم ثمانية ثم ستة عشر... وهكذا في متوالية هندسية يصل بها المرئيُّ من واحد ليصبح مرئياً من ملايين..!

** وعدا سعة الانتشار التي قد تتفوق على وسائط الدعاية المقروءة والمسموعة والمشاهدة بكل إمكاناتها؛ فإن نظرية (التناقل الشفاهي) تمتاز بشيء من (الصدقيّة)؛ فالناقل قد يبالغ لكنه يروي الحقيقة ظلا يتسع ويضيق بمقدار موثوقيته وأمانته، أما الوسائط الأخرى فإنها قد تحكي شيئاً مختلفاً وربما مخالفاً اتكاءً على قوة الوسيلة وجاذبيتها وتأثيرها وربطها الشكل المبهرج بالكلام المدبّج؛ ما يخدعُ من يقفُ عند الأُطُر ولا يدلف إلى أعماق الصور..!

** وفي البشر من ينطبق عليه خداعُ العناوين؛ فيناقض مظهرهُ مخبره؛ ويوهم من يراه، وربما تجاوز الوهمُ العلاقة العابرة فامتد إلى المدار الاجتماعي؛ ما يجعلُ الخلل يطال بناءَ الوطن بأكمله..!

** تتضاعف المعضلة فتتجاوزُ الكتاب المجرّد الذي يمكن التعامل مع سلبياته إلى الإنسان مرتبطاً بالوظيفة والمركز والواجهة والمكان ما يطرحُ علامات استفهام تمسُّ البنيةَ الفكريّة لمعايير المحاكمة والحكم أو الاختيار والقرار..!

* العناوين نحن..!

E:Mail:IBRTURKIA@Hotmail.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6745 ثم إلى الكود 82244
التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد