تمحورت الفضائل وتجسَّدت القيم عند العربي قديماً في ضروب الشجاعة وميادين الكرم، لذا لم يخترها الشاعر عبثاً حين يقول ساخراً من بعض فئات البشر:
وكلٌ يرى طرقَ الشجاعة والندى ولكنّ طبع النفسِ للنفسِ قائدُ
لو لم يكن للشاعر سوى هذه القدرة على كشف دخائل النفوس، بمثل هذا الشاهد أو غيره، والجرأة على إبرازها لكفاه أن يعتلي بهذه الومضات سيادة وريادة الأدب في عصره وما تلاه.
نعم، قديماً وحديثاً كثيرون هم (الأدعياء)، والقليل من تقترن أقواله بأفعاله، ويترجمها المجتمع، أو يقدمها قبل أن يقوم هو بتسويقها لنفسه، أو يستأجر من يروِّج له أمجاده المزعومة، المتورِّمة في ذاته.
* كم هم أولئك (الرجال) إن صحَّت التسمية من يتصدرون المجالس، ويغرِّبون بأحاديثهم ويشرِّقون، في قضايا السياسة، والرئاسة، وشؤون الحكم، والعلاقات الدولية، وفذلكة ما تمر به الساحات من حروب وصراعات، وتحالفات ومعاهدات، حتى ليخيَّل للسامع أن كبار الساسة الحقيقيين يعيشون بمنأىً ومعزلٍ عن أحداث العالم ومشكلاته، بل إنك قد تتصور أنهم يعيشون في مواقفهم على فتات أولئك (الأدعياء).
* ومثل أولئك بعض الفقهاء المتفيقهين المتشدقين، ممن يتصدون للقضايا العقدية، والمسائل الفقهية، والأحكام الشرعية، تجدهم وقد ألبسوها، أو غلَّفوا بعض إدعاءاتهم بمظاهر التسامح والحرية والديمقراطية، وقد يطوِّعون بعض النصوص لإثبات التضارب بين الدين والسياسة، وربما حملوا آراء العلماء محامل كثيرة قد لا تخطر ببال البشر.
لكنهم من حيث لا يشعرون سرعان ما تنكشف إدعاءاتهم التي تستتر بمظاهر الدين، مع أن جوهرها سياسي صرف، وماديٌ دنيويٌ بحت.
* أما الوسط الثقافي والأدبي فهو المضمار الحقيقي، الأكثر حرية من غيره. والمعارك النقدية أكثر من يشعل فتيلها، ويلهب ساحاتها هم تلك الفئات المتطفلة على فنون الأدب ومدارس النقد.
أصعب ما يواجه المثقف والناقد في هذا المحيط أن يبحث في بعض القواميس عن مصطلح (الظلامية)، و(القرون الوسطى)، و(التقدمية)، و(الرجعية)، و(البنيوية)، و(البرغماتية)، يسبك هذه الألفاظ في كل عبارة، ويحشرها في كل سطر.
و(ما عليه إذا لم تفهم البقرُ).
يكفيه من ذلك تعالي الأصوات حوله، وارتفاع الصراخ، وملء الدنيا ضجيجاً وعويلاً، ولو مؤقتاً.
* هذه الفئات التي مثلت تيارات مختلفة جلبت المآسي لنفسها، قبل أن تنال من الآخرين، أو تسيء لثقافتهم وكياناتهم الحضارية، رغم أن المجتمع في تقديري هو الذي سمح لهذه الفئات أن تترعرع، وتنمو في محيطاته.
* سيبقى الساسة الحقيقيون، والعلماء النابهون، والأدباء المبدعون يفرضون أنفسهم على الساحة في كل زمان ومكان، وسنجد المجتمع بكل أطيافه هو الذي يبرز تلك القامات السامقة، من غير أن يعمدوا إلى تلميع أنفسهم، وتقديم ذواتهم للجمهور في سياقات أشبه بالفواصل أو المقاطع بين برنامجٍ وآخر. ا - ه