أصيح بالخليج
يا خليج
يا واهب المحار
واللآلئ والردى
لابد أن كثيراً منَّا تذكر قصيدة بدر شاكر السياب (أنشودة المطر)
ونحن نعيش انهمار موجة الصقيع على المنطقة، وكأن الطبيعة في هذه المنطقة أرادت أن تشارك المناخ العام تشككه وقشعريرته إزاء ما يعصف بالمنطقة من أحداث سياسية سافرة وما يحاك لها من نوايا خارجية توسعية مبيتة وغامضة. فجاءت زيارتا الرئيس الأمريكي بوش والرئيس الفرنسي ساركوزي مصحوبتين بأجواء زمهريرية باردة لربما بددت حرارة الكرم الحاتمي السليقي الذي استقبلت به قيادات المنطقة كل من الرجلين بما لا يفصل وصول الأول ورحيل الثاني إلا بضع ساعات.
وقد كان موقف بعض قيادات المنطقة وإن جاء مطلياً بالمجاملات والبرتوكول السياسي والدبلوماسي ومسبوقاً بمواكب الخيالة والسيارات المصفحة والمصافحات الحارة والعناق واضحاً وضوح موقف أبو زيد الهلالي والزير سالم في نسخته الشعبية المتمثلة في القول الشعبي (من شدة الليل رضينا التظاهر بالنوم واتخذنا من كبر جرم (حجم) العدو (صديق))، أو المثل القائل (اليد اللي ما تقدر تدوسها بوسها وأدعي عليها بالكسر). فهم (كالمجبر أخاك لا بطل) يريدون أن يجنبوا دولهم ويلات الجبابرة وإن انحنوا قليلاً أو كثيراً لريثما تمر الريح. هذا إذا كان لها أن تمرَّ دون أن تقصف قامات النخل وأشرعة السفن وتقلب عالي الخليج واطيه.
وفي هذا فقد حرص أصحاب هذا الموقف وإن - (تسمتوا) كما نقول باللهجة السعودية المحلية- وقاربوا وسددوا بقدر الإمكان أن يوصلوا وجهة نظرهم ويحذروا بأكبر قدر مما يسمح به الموقف بخطورة أن تواصل القوى الكبرى اللعب بالفتيل وشب النار في الهشيم خصوصاً أن هذا اللعب الناري يقع على حافة آبار البترول مما لو توغل فيه اللعب بالنار سيحرق المنطقة كلها وسيمتد الحريق إلى قارات بعيدة ما دام طرف الفتيل المشتعل آتٍ من قلب تلك القارات أو سياساتها.
هذا بينما اتسم موقف البعض الآخر من قيادات المنطقة تجاه زيارتي الرجلين بوش وسركوزي الآتيين من وراء البحار -إلى هذا الخليج الذي لم يكونا ليعرفان موقعه على خارطة العالم أو يهتمان لما يجري فيه لولا البترول- بالكثير من (الانفتاح) الذي يذكر بانفتاح السادات في السبعينات الماضية على (أمريكا وبالتالي إسرائيل) أو ما سمي حينه في أدبيات الرأي ب(سياسة الانفتاح).
ولا بد أن بعض المشاهد التي مرت في شريط شاشات الفضائيات أثناء نشرات الأخبار عن الزيارتين الأمريكية والفرنسية قد ذكرت البعض منا ببعض الأفلام التسجيلة التي كانت قد انتجت بالأبيض والأسود في ستينات القرن الماضي أيضاً عن مراحل فترة الاستعمار الفرنسي للجزائر والاستعمار الإنجليزي لمصر ومناطق أخرى. إلا أنه بينما كانت تلك الأفلام تروم أن تكشف بشاعة تضاد مجاورة الغطرسة بالانكسار في لقاء الغازي بمن يقع عليه الغزو أو المقصود بالغزو، فقد كانت تلك المشاهد الأخبارية تحاول أن تتستر على تلك المواقف بفلاشات الأضواء وبالتصريحات وبباقات الورود وبهيبة المنصات وضخامة الميكرفونات ورخام الفنادق ودعة التطمينات وتجنب الملامات والإكثار من التبريرات وتبادل الابتسامات أمام الكاميرا لإظهار المشاهد الأخبارية وكأنها لقاء الند بالند وليس لقاء الرعايا براعي البقر وبواحد آخر من حلفائه.
ولن أتوقف لأسأل بضع أسئلة قد تكون بديهية كاستفسار، ولكنها قد تكون شديدة بل بالغة التعقيد كإجابة إن لم يكن دونها خرط القداد، كسؤال على سبيل المثال: ألم يكن بالإمكان وكل قيادات المنطقة تعرف مسبقاً بأمر الزيارتين (الرئاسيتين الأمريكية والفرنسية) الاتفاق أو على الأقل التنسيق خليجياً في إطار مجلس التعاون أو حتى خارجه على حد أدنى من الموقف المشترك تجاه (مستقبل المنطقة والمطلب الملح لاستقلالها وضمانات السلام فيها) مقابل ما يجري من تحويلها او تحويل محيطها إلى حراج حرب طاحنة على مستوى جيوسياسي واقتصادي وثقافي وعرقي ومذهبي أيضاً؟
وفي هذا هل يمكن أن نقرأ ولو بدرجة عالية من (التمني) وبما لا يقل من الخيال أن عدم وجود بوصلة مشتركة خليجياً في الموقف من (أجندة كل من الزيارتين) أو عدم وجود ما يشير إلى وجودها أصلاً في مواقف المفصل الخطير لعلاقة الداخل الخليجي بالقوى الخارجية العظمى المحيطة والمحيقة بأقدار المنطقة بأنه قد يسمح ببصيص أن يكون في ذلك إشارة من خلال الاختلاف النسبي بين مواقف القيادات الخليجية من الزيارتين الأمريكية والفرنسية إلى وجود ما يشبه مواقف تتراوح بين الانفتاح التام وبين التحفظ تجاه سيناريو الاختراق التوغلي في لحم المنطقة الذي تمارسه القوى العظمى تجاه المنطقة كما بدا واضحاً في جدول وطروحات كل من بوش وسركوزي؟
ومن سخرية الأقدار كما بقولون أن نرى في مثل هذا التباين في المواقف, أن وجود بارقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه في المنطقة بدل الارتماء الأعمى في أحضان القوى العظمى التي لا تريد إلا فرض مسار استسلامي يضمن مصالحها في المنطقة إن لم يكن إلى الأبد فعلى الأقل لريثما تجف آخر قطرة في آبار النفط.
ولا بد أن المتابع قد وجد في بعض تصريحات الجانب السعودي كما جاء مثلاً على لسان وزير الخارجية السعودية وما عبرت عنه القيادة في لقاء الزيارتين ما يمكن أن يستشف منه موقف ممانعة لموجة الانفتاح اليساسي على الطريقة الساداتية بالخليج خصوصاً تجاه الموقف الأمريكي المندفع صوب إشعال حرب جديدة في المنطقة بحجة مزاعم التسلح النووي الإيراني, وكذلك الموقف من الوضع الفلسطيني, وإن طرح الموقف بكثير من الدبلوماسية و(السمت).
يبقى الموقف الذي عبرت عنه الزيارتان وإن كانت لرئيس آفل للجهة الأمريكية ورئيس (طاحش) بالتعبير الشعبي اللبناني لجهة فرنسا، فهما يلتقيان عند تكريس موقف الاستحواذ السياسي والعسكري على مقدرات الخليج، وإن بدا وكأن الأمر لا يعدو موقف ترويج تجاري أو صفقات اقتصادية ليس إلا، إذ لا يستطيع القول بغلبة الطابع الاقتصادي للزيارتين أن يغسل رائحة محاولة والشروع في مزيد من عسكرة المنطقة واخضاعها لانفتاح سياسي وعسكري غير مسبوق إلا بما أنجزته اتفاقية سايكس بيكو، سواء جاء حديث الاقتصاد عن صفقات الأسلحة أو التسويق النووي السلمي أو مجرد إظهار قلق من ارتفاع أسعار البترول واقتراح مزيد من ضخ النفط.
وأختم بالتذكير بما بدأت به من قصيدة السياب لعل المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.