Al Jazirah NewsPaper Wednesday  02/01/2008 G Issue 12879
مقـالات
الاربعاء 24 ذو الحجة 1428   العدد  12879
 
ليتنا نجهل التاريخ ..!
د. إبراهيم بن عبد الرحمن التركي

 

(1)

جاءت هدية من صديق عزيز عرف أن صاحبه سيسلك طريق البر وحيداً؛ فلا أقل من (شريط) صوتي يقطع به المسافة دون أن تأخذه الأفكار يمنةً ويسرة، والوقت فاضل فلعله يحول دونه وسماع معازف

(راقية) اعتاد عليها ويتابع في التسامح بشأنها رأي ثقات يطمئن معهم إلى أنها مما لم يثبت بشأنها أدلة تحريم قطعية الثبوت والدلالة..!

* استمع لشريط صديقه بانتباه مستشرف، وتمنى لو لم يأخذ بنصيحته، فقد اتسع الجرح، وازداد النزف، وأيقن أنه يعيش وسط أمم لا أمة، وضمن أديانٍ لا دينٍ، ويتوهم من يدعي أنها عربية، ويخلط من يتجاوز بأنه الإسلام؛ فنحن فئات شتّى، يلعن بعضنا بعضاً، ويسخر الأواخر من الأولين، وإذا نحن بلا كرامة حتى لصحابة وتابعين..!

* شريط تحريضي، لكنه ممتلئ بالحقائق (صوتاً ونقلاً) لا يملك سامعوه حتى الليبراليون إلا أن يرددوا: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، ويتساءلوا: أنحن - حقا- أمة القرآن؟!

* استعاذ من الشيطان، وأقفل الشريط، وتمنى لو ترافق مع شيخه ابن خميس في برنامجه (من القائل)؛ فلم يمل -رغم الترديد - سماع حلقاته المسجلة، وبخاصة ما يتصل منها بالشعر العامي الذي يستعيد فيه إبداعات القاضي وابن لعبون وابن سبيّل والعوني وابن شريم وابن دويرج وبندر بن سرور وآخرين عوضوه عن غثاء الشعر الحديث الذي لا يبعد بعضه عن أن يكون نظما، وبعضه عن أن يكون طلاسم..!

* وصل إلى مقصده، ولجأ لمكتبة والده (حفظه الله)، وإلى وسائطه في محركات البحث، واقتنع أن قدر هذه الأمة أن تختلف بحدة وشدة، وذكرى السقيفة مؤشر أول كنا ندرؤه بتجاذبات مرحلة التأسيس، وافتراق المذاهب المتضادة فإذا التراث مليئ بصراعات علماء السنة فيما بينهم، ولم يقدنا الاختلاف إلا إلى الخلاف..!

(2)

* استعادت ذاكرته الكتب الواردة في (تحاسد العلماء ) ومنها كتاب الشيخ الدكتور بكر أبو زيد -عافاه الله-، فاستعان بها، ووجد بحثاً صغيرا للدكتور محمد حسن عقيل موسى الشريف تحت عنوان: (نماذج تاريخية ومعاصرة من مآسي الافتراق)، وقرأ فيه سيراً وعبراً لو لم يوثقها كاتبها لردها إلى مبالغات المؤرخين..!

* والمقام ليس لاستعراض البحث الذي انطلق فيه كاتبه من استثناء ما جرى بين الصحابة إتباعا لنهج السلف، وهو ما يحتاج إلى شئ من المراجعة؛ فأساس الخلافات المذهبية تعود لهذه الفترة، وبإمكاننا الإيمان بأن الاجتهاد دافعهم من غير أن نقف دون تحليل بعض الوقائع واستقرائها ودراسة آثارها وتحديد موقفنا مما شجر بينهم، ولو آمن الناس -كل الناس- بفضيلة السكوت عن تلك الفترة والتوقف عن الحكم فيها لما حدثت الفرقة الدامية التي لا تزال الأجيال تدفع ثمنها..!

* ولأن الموضوع يتصل بالخلاف داخل الفئة الواحدة، فإن التركيز عليه يتطلب إشارة أخرى إلى رقي الخلاف الفقهي بين (ابن عمر وابن عباس وابن مسعود) -رضي الله عنهم- إذ لم يخرجهم ذلك عن الترضي على بعضهم، ما دعا القاسم بن محمد بن أبي بكر - وهو من فقهاء المدينة السبعة- مثلما روى الشريف- إلى أن يقول: (اختلاف الصحابة رحمة)، وقد ساد المنطق ذاته مع (يونس الصدفي) الذي وصف الإمام الشافعي (766-820م) بأنه الأعقل إذ (ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى: ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة).

(3)

* بالتأكيد: يستقيم أن نختلف ونأتلف، وننأى ونلتقي، ونوجه آراءنا حيث نشاء، ثم نستقبل التسامح والتدارس والفهم والتفاهم، غير أن هذا لم يمنع العالم- الذي وصفه الشريف بأنه الكبير- أشهب بن عبدالعزيز المالكي المصري أن يقول في سجوده: (اللهم أمت الشافعي لا يذهب علم مالك)..!

* الحمد لله؛ فحالنا أفضل كثيرا، إذ لا مشكلة اليوم بين أصحاب المذاهب السنيّة الأربعة ومن سار معهم أو نحا مذهبا مشابها لهم، غير أن الخلاف الحنفي الشافعي وصل إلى درجة جعلت ياقوت الحموي (1178-1228م) في معجم البلدان يكتب عنه بعدما زار (أصفهان) في القرن السابع الهجري:

(وقد فشا فيها الخراب في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية، والحروب المتصلة بين الحزبين؛ فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى، وأحرقتها وخربتها، لا يأخذهم في ذلك إلٌ ولا ذمة)

* وقال عن (الريّ): (وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية، ووقعت الحروب بينهم، كان الظفر في جميعها للشافعية، هذا مع قلة عدد الشافعية، وكان أهل الرستاق- وهم الحنفية- يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاكي، ويساعدون أهل نحلتهم فلم يغنهم ذلك شيئاً حتى أفنوهم) ا.هـ

* وليس بعيدا عن خلاف هؤلاء خلاف الحنابلة مع الأشاعرة الذي وصفه الإمام الذهبي بالتعصب الزائد المؤدي إلى الفتنة والقيل والقال، وكذا ما حدث للإمام البخاري (810-869م) مع بعض علماء عصره حتى أخرج-رحمه الله- من نيسابور، ولم يودعه سوى شخص واحد، ومات غريبا وحيدا..!

* كذا جنى خلاف أهل المذهب الواحد، أما حين يجئ الحديث عن الحروب العاصفة بين السنة والشيعة والزيدية والمعتزلة وغيرهم فقد أفاض الباحث الدكتور الشريف بما لا يتصل بموضوعنا هذا، غير أنه أورد أمثلة أخرى برموز دون أسماء تحكي مآسي التعصب، وذكر اثنتي عشرة حادثة مختصرة، فليعد إليها من شاء في بحوث أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبدالعزيز، ولدينا من الحوادث المئات مما أفرزه التشدد المبني على الأدلجة حتى كدنا نتحول إلى قبائل ثقافية متناحرة.

(4)

* في مقابل هذه الرؤيا التأريخية - المعاصرة لمظاهر الفرقة المزرية بين أهل السنة، فقد جاء الباحث الإسلامي الأستاذ أحمد الكاتب بكتاباتٍ مماثلة هدفها الشورى والوحدة والتجديد- كما قال-، وكان منها حواراته مع مراجع الشيعة وعلمائهم ومفكريهم -مثلما وصفهم- حول حقيقة الإمام (الثاني عشر) استمراراً لكتابه عن (تطور الفكر السياسي الشيعي: من الشورى إلى ولاية الفقيه)، وقد ناله ما ناله من اتهامات وتهديدات.

* جاءت مقاربات الكاتب منطلقة من بحوثه، ومنها كتابه المهم: (السنة والشيعة: وحدة الدين واختلاف السياسة والتاريخ)، وصدامه مع مراجع مذهبه؛ فلعلها محور الخلاف السني الشيعي الذي تجيء عصمة الأئمة وولاية الفقيه حجر عثرة كبيراً يحول دون التقاء ذوي المذهبين السائدين..!

(5)

* المراجعات مهمة، والحاضر إفراز الماضي، وفي الإشارات السابقة ما يشيع التفاؤل؛ فبعض الخلاف طواه الزمن حتى بات في ذاكرة المنقرض، وبعضه في رحم الغد الذي تراد رعايته كي يجيء مولوده تاما، ناضجا، قادرا على أن يجمع الأسرة الواحدة على صعيد واحد..!

* لنعد إلى شريط صديقنا؛ فلو أراد قارئ التاريخ أن يضيف إلى مآسي الأمة لأبكى واستبكى، و لوجد في اختلافات أهل المذهب الواحد ما يفتق جراحات لا عهد ولا قبل له بها، وتبقى بذور التشظي بين أهل الملة الواحدة والمذهب الواحد(ونوشك نقول: والمدينة الواحدة) موجودة لدى ذوي الفكر الحَجْري الذي يريد الوصاية على الناس في حركاتهم وسكناتهم وتفكيرهم وتدبيرهم، حتى إذا أتيح لبعضهم مجالٌ في برنامج أو مقال أو نشاط دعوي أو توجيه جماهيري وضع نفسه قدوة يأمر فيؤتمّ به، ويقول فيسمع له، وباتت القضايا الفقهية القابلة للتعدد والتمدد مدخلا لإحداث شرخ داخل الجدار الواحد..!

* (إن منا لمنفرين)، كنا ولم نزل، والتنفير أولى خطوات الافتراق الذي يوصل إلى الاحتراب، ولعله أبرز أسباب الإخفاق الحضاري الذي لا تزال الأمة تتردى فيه منذ قرون حتى أصبحت مضرب المثل في التخلف والانقسام..!

(6)

* (دومينغو باديّا) رحالة إسباني زار الشرق في مستهل القرن التاسع عشر الميلادي وحج - وهو على دينه- إلى بيت الله الحرام منتحلا اسما عربيا:(علي باي العباسي)..!

* زار مكة قبل مئتي عام (1807م)، ونشرت رحلته في رواية طويلة عنوانها: (مسيحي في مكة) - الطبعة الأولى 1999م - وقد طرح في ثناياها استفهاما صعبا حين شاهد من المسلمين من يقتل ويسلب ويخرب، إذ تساءل: كيف يمكن أن يكون الإيمان قاسيا إلى هذا الحد؟

* يعود مثل هذا السؤال مع الفكر المتشدد الذي أفرز الإرهاب المتقنع باسم الله جل وعلا، وباسم الدين الأعظم الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور..!

* التاريخ لا يعيد نفسه، لكنهم الناس يستعيدونه ويأسون، ثم ينسون، ويبقى المشهد مفتوحًا لمزيدٍ من الدموع والدماء ..!

* الوحدة إرادة..!



Ibrturkia@hotmail.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 6745 ثم إلى الكود 82244
التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد