اشترى أحد الزملاء ديكاً ودجاجة ووضعهما في فناء منزله، كما سمح لهما بالتنزه خارج المنزل وبالقرب منه راجياً أن يكونا قادرين على الحد من غزو العقارب لمنزله، ولم يأخذ في الحسبان أن الديك قد يرفع صوته بالأذان وقت الفجر، وفي غير الفجر، وربما يرفعه بسبب سماع صوت غريب أو حركة غير مألوفة، فقد قال الشاعر في قصة مشهورة:
|
|
لولا صروف الليالي
|
|
لما ترك القطا لذيذ المنام
|
تحدث بعض زملائه معه ولا سيما قريب الدار منه، فحاول إقناعهم بلطف أن الضرر من الديك والدجاجة أقل من ضرر العقارب، وكأنه قد تذكر ذلك الشطر من البيت:
|
حنانيك بعض الشر أهون من بعض
|
استمرت المفاوضات حول الديك والدجاجة زهاء أسبوعين انتهت بموافقة الزميل على التخلص من الديك والدجاجة فجعلهما شواءً طيباً أكله مع أهله وشاركه فيه جيرانه. هذه النتيجة من المفاوضات قد أتت أكلها محبة وصفاء، في الوقت الذي كان من الممكن أن يكون للديك والدجاجة تبعات على الطرفين أو أحدهما قد لا تكون حميدة، وأظن أن الكثير من المشكلات العالمية ليست بعيدة عن قصة الديك والدجاجة لو أحسن القائمين عليها النية.
|
وفي هذا الباب ذكر لي بعض الزملاء أن أحداً من الناس كان يعيش في دولة غير إسلامية، وأحضر إلى منزله ديك ودجاجة، وأخذ الديك يقوم بواجبه فيرفع صوته في الوقت الذي يستوجبه الأمر ومن ذلك الواجب وقت الفجر، قدم إليه جاره وتحدث إليه وطلب منه التخلص من الديك أو إسكاته أما الدجاجة فلا مانع من بقائها، لكن الرجل لم يستجب لطلب جاره، وظل الجار يحاول جاهداً إقناعه غير أنه لم يرعوي، واستمر الحال ووصل الأمر إلى الشرطة، فرأت الشرطة أن من الأجدى التريث لعل الأمر ينتهي باتفاق الطرفين حول الديك والدجاجة، غير أن الجار ذات يوم ذهب إلى صاحب الديك معاتباً وليبلغه أن صبره قد نفذ، فما كان كان من صاحب الديك إلا أن استشاط غضباً، وكاد الأمر أن ينتهي إلى عراك قد لا يحمد عقباه، وبسبب الديك غادر صاحبه مرغماً هذه البلاد غير الإسلامية عائداً إلى بلاده رغم رغبته في البقاء.
|
هاتان القصتان الواقعيتان تريانك كيف أن الكثير من المشكلات والعثرات الكبيرة قد تحدث بسبب أمور تجاوزها أيسر من اليسير في حضور الحكمة والصبر والإيثار والتغاضي، وقد قال الشاعر:
|
|
إذا كنت في كل الأمور معاتباً
|
|
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
|
مشكلات عائلية قد تحدث بين زوجين أو أخوين قد يكون مردها أمر لا يستحق ما يترتب عليه من عداء أو نفور ومشكلات تجارية يمكن تجاوزها بتخلي بعض الأطراف عن جزء من حقه في سبيل الصلح، والتضحية بالقليل في سبيل راحة المال والبدن.
|
ومواقف سياسية متناقضة قد تفضي إلى الشقاق والاختلاف سببها يمكن أن يكون أيسر من اليسير، وقد يكون الانتقام للذات أو حب الاستحواذ هو الدافع للموقف حتى وإن رفع شعاراً جميلاً اسمه حب الوطن ومصلحة المواطنين، وهذا أمر نراه في التلفاز ونسمعه عبر المذياع في كثير من دول العالم.
|
الحمد لله على تجاوز زميلي مشكلة الديك والدجاجة وأكلهما هنيئاً مريئاً مع أهله بمشاركة جيرانه، متمنياً أن يكون اقتناء الديك والدجاج عامل حب وتآلف، وخير وبركة. وأن نترفع عن صغائر الأمور وأن نكون كباراً، لا ننظر إلا إلى كبائرها، قال المتنبي:
|
|
وتصغر في عين الكبير الكبائر
|
|
وتكبر في عين الصغير الصغائر
|
|
|