بمناسبة قرب السنة الهجرية الجديدة، ومرور عيد الأضحى والحج، ومعها ينتهي فصل الخريف، حيث برج الجدي الذي بدأ يوم السبت 12 ذي الحجة، والناس في منى يتعبّدون لربّهم، حيث داهمهم برد الشتاء، ويمرّ بكثير من أمم الأرض أعياد بحسب معتقداتهم، متنوّعة ومتعدّدة، يضعون فيها أفراحهم وتقاليدهم كل بما يحلو له. أما نحن معاشر المسلمين، فقد جاءت شريعة الإسلام، بما ورد في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيدين:
عيد الفطر، وعيد الأضحى... والسبب في اتخاذهما ما رواه أبو داود في سننه، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عزّ وجلّ قد بدّلكم خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر) ولذا كان أول ما بدأ فيه منهما في الإسلام: عيد الفطر، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة.
وذكر القلقشندي في كتابه صبح الأعشى في صناعة الإنشاء: أن ابن باطيش، ذكر في كتاب الأوائل: أن أول عيد ضحّى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنة اثنتين من الهجرة، وخرج إلى المصلى للصلاة.. وحينئذٍ فيكون العيدان قد شُرِعا في سنة واحدة.
ثم قال: نعم فقد ابتدعت الشّيعة عيداً ثالثاً، وسموه عيد الغدير، وسبب اتّخاذهم له، مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعليّ كرّم الله وجهه، يوم غدير خُمّ، وهو غدير على ثلاثة أميال من الجحفة يَسْرَة الطريق، تصبّ فيه عين، وحوله شجر كثير، وهي الفيضة التي تسمّى خمّاً، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من حجة الوداع نزل بالغدير، وآخى بين الصّحابة، ولم يؤاخ بين عليّ وبين أحد منهم، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم منه انكساراً، فضمّه إليه، وقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي. والتفت إلى أصحابه وقال: من كنت مولاه، فعليّ مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه).
وكان ذلك في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، سنة عشر من الهجرة، والشّيعة يحيون ليلة هذا العيد بالصلاة، ويصلّون في صبحيّتها ركعتين قبل الزوال، وشعارهم فيها لبس الجديد، وعتق العبيد، وذبح الأغنام، وإلحاق الأجانب بالأهل في الإكرام، والشعراء منهم والمترسّلون يهنئون الكبار منهم، بهذا العيد، ومثله عيد النيروز الذي انتشر عند العرب منذ عهد الحجاج وهما عيدان لم يأذن الله بهما، ولا أمر بهما رسوله صلى الله عليه وسلم. (ج2: 417).
وذكر ابن قتيبة في أدب الكاتب الذي قسّم فيه فصول السنة: إلى أن الربيع: يذهب الناس فيهم إلى أنه الفصل الذي يتبع الشتاء، ويأتي فيه الورد والكمأة والنَّوْر، ولا يعرفون الربيع غيره، والعرب تختلف في ذلك، فمنهم من يجعل الربيع الفصل الذي تُدرك فيه الثمار، وهو الخريف، وبعده فصل الشتاء، ثم فصل الصيف، وهو الوقت الذي تسميه العامة: الرّبيع، ثم فصل القيظ، وهو الذي تسميه العامّة الصيف، ومنهم من يسمّي الفصل الذي تُدرك فيه الثمار، وهو الخريف: الربيع الأول، ويسمّى الفصل الذي يلي الشتاء، وتأتي فيه الكمأة والنَّور الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع.
وكان عند العرب العاربة أو السنة محرّم، لأنهم يحرّمون فيه القتال، وهو بعد شهر الحج، وقد اتفق الصحابة بتأييد من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجعلوه بداية للسنة الهجرية، وأرخوا به من ذلك الوقت، ولا يزال. ثم قال القلقشندي: وللناس في إخراج أول الشهر العربي طرق، أسهلها: أن نعرف أو يوم من المحرم، ثم نعدّ كم مضى من السنة من الشهور، بالشهر الذي نريد أن نعرف أوله، ونقسمها نصفين، فإن كان النصف صحيحاً أضفت على الجملة مثل نصفه، وإن كان مكسوراً كمّلته وأضفته على الجملة، ثم تبتدي من أول يوم من السنة، وتعد منه أياماً على توالي أسماء الأيام بعدد ما حصل من الأصل المضاف، فحيث انتهى عددك، فذلك اليوم هو أول الشهر. وليمكن هذا عند القارئ، والمهتم بمعرفة هذا العلم نراه، يوضح ذلك بالمثال الآتي، حيث يقول: إن أردت أن تعرف أول يوم من شعبان، وكان أول يوم في المحرم يوم الأحد مثلاً، فتعدّ من أول المحرم إلى شعبان، وتدخل شعبان في العدد، فيكون ثمانية أشهر، فنقسمها مصفين، يكون نصفها أربعة، فنضيف الأربعة إلى الثمانية تكون اثني عشر، ثم تبتدئ من يوم الأحد، الذي هو أول المحرم، فتعد الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة والسبت، ثم الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، فيكون انتهاء الاثني عشر في يوم الخميس، ليكون أول شعبان يوم الخميس.. وهكذا يضع الأمثلة لبقية الشهور. (2: 280-281).
وقد تحدث عن أعياد كثير من الأمم: كالقبط والروم والسريان، وأعياد العرب في الجاهلية، وقال عن أعياد الفرس، بأنها كثيرة جداً، حتى أن عليّ بن حمزة الأصبهاني عمل فيها كتاباً، ذكر فيه أسباب اتخاذهم لها، وسبب سلوكهم فيها، وأشهر الأعياد عندهم النّيروز، وأول من اتخذه عيداً: جَمْ شادْ، أحد ملوك الطبقة الثانية من الفرس ومعناه: شاد الضّياء والشّعاع وسبب اتخاذه أنه اليوم الذي ملك فيه: نور وزّ، أي اليوم الجديد, وكان مدة ملكه لا يريهم وجهه، إذ كان له حظ من الجمال وافر، فلما ركب العجلة التي اتخذها أبرز لهم وجهه، فجعلوا يوم رؤيتهم له عيداً، وسموه: نُوْروَزَا، وبعضهم يزعم أنه أول الزمان الذي ابتدأ الفلك فيه بالدوران، وبعضهم يراه: اليوم الذي خُلق فيه النّور.
وحكى ابن المقفّع أنه كان من عادتهم فيه أن يأتي الملك رجل من الليل قد أرْصد لما يفعله مليحُ الوجه، فيقف بالباب حتى يصبح فإذا أصبح دخل على ملكهم من غير استئذان، ويقف حيث يراه، فيقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ واين تريد وما اسمك؟ ولأي شيء ودرت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور واسمي المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردتُ، وبالهناء والسلامة وردت، ومعي السنة الجديدة ثم يجلس.
إلى آخر ما ذكر من أساطير القوم وتفاؤلاتهم، وما أكثرها لأنها من وضعهم ليتفاءلوا بها وفيها اختلافات كما قال سبحانه {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (82) سورة النساء.
الورق وتاريخه:
سألني أحد الإخوة، عن الورق ومتى عُرفَ، وهل هو الرَق الذي جاء في القرآن {فِي رَق مَّنشُورٍ} وحيث إن الجواب واسع عند العلماء، ومنهم القلقشندي في كتابه صبح الأعشى، فسأعطي جواباً يناسب الخبر، وأحيل الباقي على أحد المصادر، فقد جاء في بعض التّفاسير: أن الرَق: ما يرققّ من الجلود ليكتب فيه، وجاء في القرآن الكريم { وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ}، والقرطاس: كاغد يتخد من شجر مصري اسمه (بردْيّ). وجاء في القرآن {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى}. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طول كل لوح اثني عشر ذراعاً، وقال وهب بن منبّه: من صخرة صمّاء، إلا أن الله ألانها له، فقطّعها بيده، ثم قطّعها بأصابعه، وقال أنس: نزلت التّوراة، و هي سبعون، وقْر بعير.
وقال القلقشندي: وكانت الأمم في ذلك متفاوتة، فكان أهل الصين -وهم أقدم من عرفوا بصناعة الورق- يكتبون في وَرَقٍ، بصعوبة من الحشيش والكلأ، وعنهم أخذ الناس صنعة الوَرَق، وأهل الهند يكتبون في خرق الحرير الأبيض، والفرس يكتبون في الجلود المدبوغة، من جلود الجواميس، والبقر والغنم والوحوش، وكذلك كانت من اللّخاف (بالخاء المعجمة)، وهي حجارة بيض رِقاقْ، وفي النحاس والحديد، ونحوهما، وفي عُسُبِ النّخل (بالسّين المهملة) هي الجريد الذي لا خوص عليه، وأحدها عسيب، كما يكتبون في العظام: في عظم أكتاف الإبل والغنم. وقد جُمع القرآن الكريم في عهد عثمان رضي الله عنه على ذلك، خوفاً من ضياعه بموت القراء في الحروب. وعلى هذا الأسلوب كانت العرب لقربهم من الفرس واستمر ذلك إلى أن بُعث النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن والعرب على ذلك، فكانوا يكتبون القرآن حين ينزل، ويقرؤه عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، في اللّخاف والعسب، فعن زيد بن ثابت أنه قال عند جمعه القرآن: فجعلتُ أتتبّع القرآن من العُسُب واللّخاف، وفي حديث الزهريّ: قُبِض رسول الله والقرآن في العُسُب، وفي بعض مكاتباته صلى الله عليه وسلم كانت في الأدم، وهي الجلود الرقيقة.
واستمر الناس على ذلك، إلى عهد هارون الرشيد، حيث كثر الورق، وفشا عمله بين الناس، لأن الجلود يمحى ما عليها بسهولة.
وانتشرت مصانع الورق وتنوّع الورق في العصر الحديث، وأكثر ما دقه من الأشجار وأوراقها، وقد لاحظت في أوروبا وأميركا اهتماماً كبيراً بهما في فصل الخريف والشتاء، حيث تتساقط أوراق الشجر، فيتم الاهتمام بجمعها في أكياس، لمصانع الورق، ونتمنى أن نرى مثل هذا الاهتمام في بلادنا، لكثرة تقصيص الاشجار بأنواعها في تلك الفصول، حتى يسعد المواطن بانتشار هذه الصناعة المهمة.
ولراغب الفائدة أكثر عن الورق، وأصله واستعمالاته، يراجع صبح الأعشى ج1 ص475-488، وعند غيره من العلماء المهتمّين.