Al Jazirah NewsPaper Sunday  06/01/2008 G Issue 12883
مقـالات
الأحد 28 ذو الحجة 1428   العدد  12883
 
موتوا.. فهذا درس من (بوتو)..؟!!
حمَّاد بن حامد السالمي

 

عندما استهدفت القاعدة برجي التجارة، في منهاتن في مدينة نيويورك، أحد أكبر المدن العالمية، في أكبر وأقوى دولة في العالم، وقتلت في هذه العملية القذرة، آلاف الناس الأبرياء، ظنت أنها بهذا العمل الإرهابي الدموي، سوف تهز عرش الولايات المتحدة الأميركية، وأنها بحشدها خمسة عشر إرهابياً سعودياً من بين تسعة عشر، نفذوا هذا العمل الإجرامي، سوف تهز عرشاً آخر تحلم به في المنطقة، فتقفز بذلك إلى سدته، وهو عرش المملكة العربية السعودية، الاسم الذي غيبته القاعدة في خطابها الديني المسيس - خطاب الحركة الصحوية في المنطقة - فجعلت من (جزيرة العرب)، و(أرض الحرمين)، بديلاً حركياً، تدغدغ به عواطف الجهلة والسذج، من المناصرين والمؤيدين والمتعاطفين معها، سواء من السعوديين المؤدلجين في بوتقة الصحوة، أو من غيرهم، الذين سرعان ما انخدعوا بدعاية (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، فانجروا خلفها مهللين مكبرين مسبحين بحمد الشيطان الأكبر. والقاعدة لو وجدت مشركاً واحداً يخدم أهدافها في جزيرة العرب، لخلعت عليه لبوس التقديس، ولأبقت عليه عزيزاً مكرماً، ولتمسحت بأطرافه، ولجعلت منه خدناً لا عدواً يجب قتله، وهي التي - في غالب الظن - قد وضعت يدها في أيدي مشركين وكفار، وحتى يهود من أصدقائها في أميركا وألمانيا، وفي غيرها من بلدان أوروبا التي تسميها كافرة، الذين (جاهدوا) معها على طريقتهم ومصالحهم الخاصة، فزودوها بالسلاح، وسهلوا لها تخطيط وتنفيذ (غزوة منهاتن المباركة)، في الحادي عشر من سبتمبر 2001م.

* الواقع.. وهذا هو المعاش اليوم.. أن القاعدة وكافة مَنْ أسهم في تنفيذ مخططاتها الإرهابية، سواء في أفريقيا، أو في اليمن والسعودية، ثم في الجزائر والمغرب، مروراً بالعراق وغيرها من البلدان، إنما هي بعملياتها التفجيرية الدموية، مثل حفنة من ذباب، حطت على أنف فيل ضخم، تؤذيه.. نعم. تدميه.. نعم. لكن وفي نهاية الأمر، يبقى الذباب ذباباً، ويظل الفيل فيلاً، فالولايات المتحدة الأميركية، لم تُهزم، ولم يُخسف بها الأرض كما يحلم بذلك أرباب الإرهاب، بل زادت شراسةً وتدخلاً في الشرق الأوسط، وذهبت جيوشها إلى أبعد مدى لها في تاريخها، واحتلت بفضل (ابن لادن والظواهري) وقاعدتهما الإرهابية، أفغانستان والعراق، وربما تتفضل القاعدة في مستقبل الأيام، فتمهد طريق هذه القوة الضاربة الغاشمة، لاحتلال بلدان عربية وإسلامية أخرى.. مَنْ يدري. كما أن المملكة العربية السعودية، لم تهتز أو تُبتز، نتيجة لعدوان منهاتن الإجرامي، الذي أراد توريطها مع الولايات المتحدة ابتداءً. كان هذا هو الهدف الأسمى في تفكير القاعدة وغايتها من العدوان على نيويورك. أن تضرب العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة في مقتل، وأن تستفرد بهذا البلد الكبير في كل شيء، لكن هذه العلاقات العريقة، تقوَّت أكثر، وتوطدت أكثر، لأن القادة في الدولتين الكبيرتين، قرءوا جيداً هذه الرسالة، وفهموا جيداً هذه الغاية، ونجحت المملكة قيادةً وشعباً، بحمد الله، في حربها مع القاعدة، ومع أذنابها من المفجرين والمناصرين والمؤيدين والمتعاطفين. فالأمن السعودي اليقظ، ظل وراء هذه الفئات، قائمة ونائمة ومنبطحة، حتى وضعها تحت المجهر الأمني، إلا من فجر نفسه وقتلها، فأصبح من المقبورين. ولو أن أميركا نفضت يدها من المملكة، وأعلنت عليها الحرب، لنقلها (ابن لادن والظواهري)، من فسطاط الكفر إلى فسطاط الإيمان، ولاحتلت مكانة طالبان، في البر والتقوى والصلاح، ونصرة الدين والمستضعفين في الأرض..!!

* كنا في الثلث الأول من شهر ذي الحجة، نتابع بسرور وفرح، تلك الجهود الكبيرة، التي تقودها الدولة، بكافة أجهزتها الإدارية والأمنية، لخدمة مليونين ونصف المليون من حجاج بيت الله الحرام في المشاعر المقدسة، وتوفير سبل الأمن والراحة لهذا الحشد العظيم، في حرم الله المعظم، في حين كان ثمانية وعشرون خارجياً، من أذناب القاعدة الإرهابية، يسيرون في اتجاه معاكس، فقد كانوا يقودون في ذات الوقت، عمليات إرهابية تخريبية، لتعكير هذا الصفو الروحي في بلد الله الأمين، ليفجروا من خلاله، وليخوفوا ويفزعوا، وليقتلوا من أمَّ البيت الحرام، ودعا الله ملبياً: لبيك اللهم لبيك..!

* أي نزعة للموت هذه، تتقمص هؤلاء الناس، الذين ينسبون أنفسهم إلى الدين الحنيف، دين الإنسانية، ودين الحياة والسلام والمحبة، فيفجرون، ويحرقون، ويدمرون، ويقتلون..؟! ثم يزعمون أنهم يجاهدون في سبيل الله..؟!

* ولأن الإرهاب واحد، فهو لا جنس له ولا وطن. له غاية واحدة. قتل وموت، فهو يضرب في الأرض من أجل الموت، ولا شيء غير الموت. الموت.. غاية الجبناء، وهو سبيلهم ووسيلتهم الوحيدة، للوصول إلى نزواتهم وأغراضهم. فبعد أن ينجح الإرهاب في ضرب مبنى في العاصمة الجزائرية، ويهدي الموت أنفساً جديدة من الشعب الجزائري المسلم، يسعى مهرولاً إلى موريتانيا، ليقتل أربعة موريتانيين من رجال الأمن، ثم يبشر المسلمين قاطبة على الهواء، في كافة أنحاء المعمورة، بوجبة شواء جديدة من أرض شنقيط، ووجبات يومية في بغداد والموصل، ووجبة دسمة من النوع الثقيل في الباكستان.

* إذا استهدفت القاعدة زعامة أو شخصية عامة لها ثقلها - وهي فعلت ذلك مرات ومرات - فكأنما تقول لمثلها في أمكنة أخرى: (شوفوا هذا.. وموتوا.. فهذا درس من بوتو). موتوا.. أو خلوا بيننا وما نريد في أنفسكم، وفي شعوبكم، وفي مصائر بلدانكم. هكذا بكل بساطة، يظن (ابن لادن والظواهري)، ويظن مَنْ سار على نهجهما الدموي من خوارج هذا الزمان وظلامييه، أن القيادات السياسية في هذا العالم، سوف تخافهم فتذعن، وتسلم لهم الأمر، لأنهم يهددونها بالقتل على طريقة السيدة الشهيدة: (بنظير بوتو) رحمها الله. إرهاب الشعوب لم ولن يؤدي إلى نتيجة تُذكر، رغم كل عمليات القاعدة، التي لا تفرق بين مدنيين وعسكريين، وهو لن يحقق غرضاً واحداً لمصاصي الدماء، فقد رأينا كيف تلتف الشعوب حول قياداتها بعد كل عملية إرهابية، والقتل الموجه لقيادات وزعامات تقف ضد القاعدة، أو هي معتدلة في مواقفها، لن يزيد هذه القيادات في بلدانها وبين شعوبها، إلا قوةً ومنعةً، وسوف تظل القاعدة إلى أن تنضوي وتذبل فتموت، كذبابات مسعورة، تشن الغارات تلو الغارات، ولكن على جباه وأنوف صلبة، تُخدش فتسيل دماؤها في بعض الأوقات، لكنها تبقى صلبة صامدة.















assahm@maktoob.com
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5350 ثم إلى الكود 82244
التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد