Al Jazirah NewsPaper Tuesday  08/01/2008 G Issue 12885
مقـالات
الثلاثاء 30 ذو الحجة 1428   العدد  12885
 
بَواعِثُ الارتباك في الأمة المأزومة..! 2-2
حسن بن فهد الهويمل

 

وإذا كان القانون -كما يقال-: لا يحمي المغفلين. فإن حُسْن النوايا لا يشفع للمخطئين في القضايا المصيرية، وإن بُعث كل ميت على نيته. ومهما سلمت النوايا، وحسنت المقاصد فإن غياب الحكمة وفصل الخطاب يؤديان إلى مزيد من التدهور، ولقد قيل عن أحد القادة الذين دمروا كل مثمنات وطنهم: بإمكان التاريخ أن يقول عنه كل شيء إلا أن يصفه بالخيانة لوطنه، ولهذا فإن مناط الحكم في حز المفاصل ووقوع السهم في قلب الرمية، والذين ينسيهم الصدق عن ذكر العواقب، يجرون أمتهم إلى التهلكة، ويلقون بأنفسهم في أتون المسؤولية والمساءلة.

وبقدر أهمية التعرف على قوة الطرف الآخر تكون أهمية التعرف على قوة الرأي العام، ومدى تمسكه بما وجد عليه آباءه، ولا شك أن تفادي الإثارة والتهييج مؤذنان بالخلوص المرحلي من المسلمات غير السوية، ثم إن المجتمع المستهدف بالنقد والتوجيه ليس وحده الذي يشكل الواقع، وليس وحده الذي يستطيع أن يغير الواقع، وكم من مجتمع يطفو فوق التيار، بحيث لا يملك القدرة على الوقوف متى شاء ولا الاتجاه حيث يشاء، والمسكونون بهمِّ الإصلاح أحوج ما يكونون إلى البحث عن الأنساق الثقافية التي تتحكم في مسار الحياة، ومحاولة تصحيح ما يمكن تصحيحه قبل مواجهة المجتمع بما هو عليه من تجاوزات، وإذ لا ننكر على المثقفين استياءهم من بوادر الضعف والتخلف والتنازع المفْشِل فإننا لا نمضي معهم في أسلوب المعالجة القائم على الشجب والسخرية والتجميل وهز المسلمات، إن علينا سبر كل الأغوار إذ ما في مقدور أي مقاومة أن تحقق مآربها ما لم تتوفر على معرفة شاملة وعميقة بمناهج الأطراف المؤثرة، ومفاتيح الفرج في فهم أرضية المنطلق وآفاقها، وبخاصة الخلفيات الثقافية للمجتمعات المقصودة بالتغيير، وعينا أن نقف ملياً أمام تأثير دعاة السوء، وقدرتهم على تخطف الشباب البريء وحملهم على مفارقة الجماعة باسم الدين، فما الأساليب التي اتخذوها؟، وما اللغة التي توسلوا بها؟ وما المناهج والآليات التي اعتمدوا عليها؟ حتى بلغ أثرهم هذا المبلغ المخيف، وحتى أصبح الإنسان يوجس خيفة مما تحت يده من الأبناء.

إن هناك قطيعة بين النخب المتصدرة والقواعد العريضة من المجتمعات المستهدفة واختلافاً بين فصائل النخب، فَهُم ليسوا على قلب رجل واحد، وليسوا منتمين إلى رؤية منطقية تتداخل فيها الدوائر، وتملك القدرة الكافية من الانسجام مع بعضها وإقناع الرأي العام على توحد رؤيتها، ومن المسلمات أن فاقد الشيء لا يعطيه.

وإذا كان قاصد الإصلاح لا يسيطر على مشاعره ولا يتناغم مع المتخندقين معه فكيف تتأتى له السيطرة على مشاعر الآخرين، وفوق هذا كله فإن خيوطاً خفية مربوطة بأصابع أخفى من دبيب النملة السوداء على الصفارة السوداء في ظلمة الليل تحرك أهم الفاعلين في المشاهد، ومن ثم تَحُولُ دون الوفاق، ولا شك أن مسرح صناعة التاريخ يختلف كثيراً عن مسرح العرائس، وعلى ضوء الحراك المتعدد الاتجاهات والانتماءات تبدو إشكالية التشابه، فكثير من المتصدرين للإصلاح ليسوا مصلحين، وإن زعموا ذلك وادعوه: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} ( 11- 12 )سورة البقرة.

وهنا ندخل في إشكالية الغزو والتآمر والأفكار المستوردة، وهي قضايا متنازع عليها، بل تكاد تكون بؤرة التوتر بين المتنازعين على سدة الإصلاح، وهي من أخطر بواعث الارتباك، والإشكالية ليست في تحققها في الواقع وإنما هي في أسلوب التعامل، وأنواع القصور، ومن ثم فإن تأزيم الأزمة ليست في الظاهرة من حيث هي، ولكنها في توظيفها، فالذين استسلموا للغزو وارتموا في أحضان الغرب، واستمرؤوا استهلاك ظواهره السلوكية، وقيدوا أنفسهم لحساب مصالحه وإشاعة محققات مدنية يتهمون المتحفظين بعقدة الغزو والتآمر واستمراء التخلف، وبعض أولئك يلوذون بهذه العقدة لتحميل الآخر مشكلات التخلف والشقاق، وإذ نسلِّم بأن هناك أفكاراً مستوردة لا تصلح لنا ولا يستقيم أمرنا معها فإنه يجب الحذر الشديد من سيطرة هذا الهاجس على كل أشكال التعامل، ومثلما نخطئ في مفهوم (البراء والولاء) ومحققاته وهو أمر عقدي خطير نخطئ كذلك في مفهوم الغزو والتآمر والأفكار المستوردة وهي أمور دون ذلك، واضطراب المفاهيم في قضايا التواصل مع الحضارات والمدنيات من أخطر بواعث الارتباك، والدول المتقدمة في الشرق تنبهت إلى مثل هذا الاضطراب في المفاهيم، وأخذت حذرها منها، وليس من الخطأ أن نشيع الخوف من الغزو، ولكن الخطأ أن نكبل أنفسنا ونعزلها عن العالم ونحرمها من التفاعل الإيجابي وتبادل الخبرات والحوار الحضاري، وأن نكون مستهلكين بجهاد والدفع، فالتوتر والخوف والشك والارتياب في كل شيء ومن كل شيء يشكل عقبات في طريق الحياة السوية، والإسلام يحثنا على السعي في مناكب الحضارات والتماس ما يناسب حضارتنا، وينسجم مع قيمنا، فما نحن في النهاية إلا جزء من العالم، والحضارة في جزئها الأكبر إنسانية لا تنتمي إلى أية (أيديولوجية) ونحن أحق بهذا اللون من الحضارة.

إن النظر في الأطروحات يبعث على الخوف، وبخاصة من أولئك الذين أشربوا في قلوبهم الماديات البحتة، بحيث لا ترى ولا تسمع ارتباطاً بالمصادر الحضارية من كتاب أو سنة، كما أنها إلى جانب ذلك أطروحات تتداولها النخبة والملأ وتهمل لغة الرأي العام والجماهير، وهي حين تجنح إلى التيسير في ظل استفحال التطرف والغلو تخلط بينه وبين التسطح والتلفيق، والمشهد الفكري والسياسي خليط من المناوئين والمتسطحين الذين استهلكوا جهودهم في عالم الأفكار من خلال جهود فردية مُنبتة، والجوانب الفكرية - على الرغم من وجود جوانب أخرى لا تقل عنها - بحاجة ماسة إلى ممارسة مؤسساتية لكي تكون الأطروحات في مستوى المواجهة، ولا سيما أن الإسلام يرى أن الجهاد بالكلمة لا يقل عن الجهاد بالسلاح، ولقد كان من المشركين محاولات جادة قبل المواجهة بالسلاح، ومن ثم فقد وجه الله رسوله بالجهاد بالكلمة {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} سورة الفرقان (52) أي لا تطعهم فيما يوردونه من حجج، وما يثيرونه من تساؤلات، وجاهدهم بما في القرآن من حقائق وأحكام وقضايا جهاداً تبلغ فيه أقصى جهدك، ولما كان من الجهاد جهاد الكفار بالحجج القرآنية، فإن طائفة من ذوي الأفكار لا يستحضرون هذا التوجيه الرباني، ولا يرون الحوار والجدل جهاداً قد يحقق من الوفاق فوق ما يحققه القتال والمواجهة المسلحة.

ومحاولة الإصلاح ومعالجة الأزمات بأمس الحاجة إلى منهج للتفكير لقد واجه العلماء الأوائل مشكلة المنهج، حتى كتب (الشافعي) (الرسالة) فكانت فتحاً مبيناً في عالم التأصيل المعرفي، وقد عده رأس الحداثيين (نصر حامد أبوزيد) مؤسس (الأيديولوجية) وإن عده مع (الأشعري) و(الغزالي) مؤسسين للوسطية، ف(الشافعي) أسس الوسطية (الفقهية) فيما أسس (الأشعري) (الوسطية) (العقدية) -على حد مفهومه- و(الغزالي) أسس الوسطية (الفكرية والفلسفية)، وليس يعنينا هنا تفصيل هذه النتائج، وإنما نحن بأمس الحاجة إلى (المأسسة) و(المنهجية) لكي تخلص الأمة من أزماتها التي تتضاعف بسبب التشتت وذهاب كل مفكر مع هواه دون علم بما يقول: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} سورة النور(15). وإذا كنا نضيق ذرعاً بالتراشق، والتنازع والسعي لتصفية السمعة وهي من أزمات الأمة فإن الرسل من قبل قد واجهوا مثل هذا {مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} سورة فصلت (43) ولكي نحلحل الأزمة ونفك الاختناق نوجه بما وجه به الله وحذر منه {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} سورة النساء(83) وما أكثر ضعفاء المسلمين الذين يعبدون الله على حرف، ومن ثم تؤثر عليهم قالة السوء ويرفعون باستجابتهم رصيد الغثائية التي أخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم وحذر منها.

ولكي نوقف التدهور المريع لا بد من تصور الواقع، وتشخيص الداء ورسم خطوات الحل المناسب لكل الملابسات، ولن تستقيم الأمور بالمبادرات الفردية، لا بد من التأصيل وتحرير المسائل والمأسسة والمرجعية والمنهجية وكثير من التعقل وقليل من العواطف الجياشة والدخول في السلم كافة والانضواء في كنف الجماعة فيد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار.



لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5183 ثم إلى الكود 82244
التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد