إن العمل العلمي هو محاولة التوصل لحلول مناسبة للمشكلات المطروحة، وذلك بمعرفة حقائق المشكلات وتفسير ما يحيق بها من وقائع وبناء النظريات وانتقاء المنهجية البحثية اللائقة.
هكذا يكون مقصد العمل العلمي.. إما تحصيل المعرفة.. أو بلوغ القوانين ومشتملاتها من قواعد وأُطر يتم البرهنة عليها من خلال التحليل الناقد لما تمَّ التوصل إليه من النتائج التطبيقية الميدانية.
ويجدر التنويه إلى أن العمل العلمي محور داعم لأنساق المجتمع ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأمنية وما من غضاضة القول بأن العمل في كل المجالات حتى ولو كان العلم للعلم بمقابلته يكون العمل للمجتمع فهو ذو مقصد نفعي سواء من حيث التحكم في الظواهر، ليس على الإطلاق ولكن بموجب التخصص والاستهداف نظراً لما يؤدي إليه من تصورات جديدة للمجتمع سواء في منحاه المادي أو الإنساني أو كليهما معاً.
إذن العمل العلمي ينشد للمجتمع ومكوناته حياة أكثر نماءً وأوفى أمناً وأفضل كياناً وأوفى إثراءً ورقياً وتقدماً.
ولذا يبيِّن العلم أنه طريق الأمن والأمان، أمن فكري واجتماعي، وأمان اقتصادي وتوافق علائقي.. ويسعى العلم لبلوغ غاياته باستخدام منهجية بحثية مناسبة لموضوع البحث ودقته في جميع البيانات ورصد الواقع وتحليله واستخراج النتائج ورسم خطط العلاج الممكنة والمتاحة.
إذن منهجية البحث العلمي لها أهمية قصوى في تحقيق الغايات العلمية ومنها التعرف على الظواهر الاجتماعية المصاحبة لعملية التغيُّر الاجتماعي لإمكانية حل مشكلاتها لإمكانية الدفع بإمكانات النمو والتطور وتحصيل قيم التقدم المنشود وفق إستراتيجيات مخططات التنمية الوطنية ومن هنا تتأتى ضرورة ربط البحث العلمي بالمجتمع.. وكما أسلفنا القول بأن العلم لو كان فقط للعلم فإن عوائده - بالحتم - تأتي لصالح المجتمع لما تأتي به من نفع للمجتمع.
وللحق والحقيقة نقول في هذا الصدد إنه ليس ثمة فاصل قاطع بين كون العلم أساساً يتصل بالظواهر الطبيعية أو تطبيقياً ذا صلة بقضايا المجتمع ومشكلاته، حيث إن ما يخرج به البحث الأساسي تصب نتائجه في المجال التطبيقي المجتمعي.. فكلاهما يكمل كل منهما الآخر حيث إن كليهما يؤثر في نمط الحياة (الطبيعية) و(الاجتماعية).. ولن نتطرق لهذه العلاقة الجدلية الآن عسانا أن نتناولها في مقال لاحق.. حيث إن المقصد من هذا المقال هو إلقاء الضوء على واحدة من مؤسسات البحث العلمي في مجتمعنا الناهض الذي يعتمد في برامجه البحثية على آليات التطبيق التي تعتمد على قياسات العوائد المادية والتنمية الفردية ومنجزاتها السلوكية والتنمية البيئية وإمكانات التصميم.
وتستهدف هذه القياسات أن تتحقق جدوى اجتماعية لبرامج البحوث العالمية للاستفادة بنتائجها في تحقيق أمن الأفراد، والجماعات والمجتمع الكلي، كما تستهدف أيضاً تقويم برامج البحوث العلمية عن طريق رصد قيمة العوائد مادية كانت أو بشرية أو إمكانات الفعالية الفنية وذلك لوضع معايير للجودة ووضع طرائق التطوير وفاعلياته بأقصى درجة من النماء الممكن.
ومن المؤسسات البحثية ذات القيمة المضافة ذات المنطق العلمي في وضع حدود وضوابط البحث العلمي من أجل تجسيد الوعي المدرك بقيمة وحيوية وفاعلية ما يبذل من جهد وتفانٍ وعطاء من أجل تحقيق أمن المجتمع واستقراره وتقدمه والاستفادة من ذلك بأحدث التقنيات المعلوماتية، وآليات البحث العلمي المتطورة التي تتوافق مع الواقع المعاصر ومستجداته التقنية.. هذه المؤسسة العلمية البحثية التي نعنيها هي (جامعة نايف للعلوم الأمنية بالرياض) فهي صرح علمي عظيم يفيد كافة الدول العربية في المجالات الأمنية، وهي تنسق مناشطها مع مؤسسات ومراكز البحوث العلمية الأخرى في الداخل والخارج عن طريق الحوار المتبادل ومشتملاته والمعارف المستجدة، والتجارب الحديثة، وتنمية الروابط على المستوى العربي والدولي، وتبادل المعلومات والبيانات والخبرات، وذلك من خلال تنظيم اللقاءات المتخصصة المشتركة، وإقامة الدورات العلمية، وحلقات البحث وورش العمل، وعقد الندوات والمؤتمرات الدولية، والإصدارات والمنشورات العلمية.
ولما كان موضوع المقال يدور حول العلم (المفهوم ومنهج البحث) وجامعة نايف للعلوم الأمنية، فأطرح سؤالاً أخص به الأساتذة الكرام الذين يتطلعون بالإشراف العلمي على البحوث والدراسات: هل تمكَّن الدارسون من الإلمام بالنظريات والمعرفة ذات العلاقة بتخصص الباحث؟ وهل أمكنهم التحقق من قيمة المعرفة في ذاتها؟ هل أمكنهم تفهم الإنسان (أساس الحاضر ودعامة المستقبل)؟ هل ألموا ووضعوا حلولاً واقعية لهذه المشاكل مثل ظاهرة السرقة بجميع شرائحها ومشكلة البطالة وظاهرة غلاء المهور ومشكلة التفحيط وظاهرة الطلاق وغيرها من الظواهر والمشكلات السلبية بما يدور في المجتمع من مشكلات الواقع وهو متداخل الثقافة بقيمها العامة؟.. أسوق هذه الاستفسارات ونحن نعايش ثقافة العولمة، وهو فكر عالمي جديد، وردة الفعل إزاءه -في العالم العربي- متشنجة نظراً لاضطراب الفكر (المعولم)، ومرئياته في العلم ومفهوماته وأدواته وقيمه خصوصاً في مجال العلم الاجتماعي مما أدى إلى تصلب البحوث والدراسات عند حد البحوث الوصفي (إقرار الحاضر) فماذا عند التنبؤ بالمستقبل؟