الميراث الحضاري والسلوكي من أغلى ما تمتلكه الشعوب وتعتز به وتتمسك، وآخر ما تفقده خلال صراعها مع تحديات الواقع، ومنافحة الظروف التي تحاول اختراق هذه الموروثات، والشباب هم المستقبل بكل ما تعني الكلمة، وإن لم تكن هناك عناية خاصة بهم وبمكوناتهم الشخصية والسلوكية والثقافية، فهذا يعني عدم الاهتمام بالمستقبل، فالشباب هم جيل الغد الصاعد، وأمله الهادف وعليهم، من بعد الله، تتوقف كل ملامح القادم.
ولكن من يصوغ أفكار هذه الشريحة المهمة في المجتمع؟ ومن يصنع ثقافتها ومفاهيمها ويرتب اهتماماتها وأولوياتها في ظل تصادم المصادر المعرفية وتعددها وتباين أطروحاتها واختلاف أهدافها ومراميها؟ في الماضي القريب كان كل من البيت والمدرسة والمسجد وإلى حد كبير الشارع هي الجهات التي تصنع فكر وثقافة وتربية النشء، حين كان الشباب يقضون جل أوقاتهم في هذه المواقع، وحين كان كل أب أو جار يعتبر كل الشباب او حتى الأطفال أبناء له من حيث الحرص على تربيتهم وتقويم سلوكهم، وحين كان النشء أيضا يتقبلون النصح والتأديب من كل من هو أكبر منهم سناً.
اليوم اختلفت الأوضاع وتبدلت الصور، وتغير إيقاع خطوات العصر، وصار الشباب يقضون الكثير من أوقاتهم أمام شاشات الفضائيات، وهذا يلقي على هذه الفضائيات المزيد من المسؤوليات والتحديات، ويلقي عليها عبئا ثقيلا تجاه الشباب الذين يثقون في كثير مما يأتي به الإعلام المرئي على وجه الخصوص، وذلك لقوة تأثيره، ولقابلية الشباب للتأثير ووجود خاصية التلقي والتقبل لديهم.
فما هي أهداف الفضائيات، وما رسالتها؟ وما التغيير الذي تهدف إليه من خلال برامجها وطرحها الإعلامي؟ وما نصيب الشباب من هذا التغيير؟ وهل هو إيجابي أم سلبي؟ فالإعلام هو السلطة الرابعة، له قوته وسطوته وآلياته الفاعلة، ويرجى أن يكون تأثير هذه السلطة إيجابيا والفضائيات من أقوى أدوات الإعلام، ويفترض أن يكون إسهامها واضحا في تنمية القيم ومحاربة الصور السلبية، وأن تضطلع بدورها في التوعية والتثقيف، وتصحيح المفاهيم ومنها المفاهيم الفكرية الضالة أو التكفيرية، وصناعة رأي عام لا يتعارض مع الموروثات ومصالح المجتمع، أي لا يتصادم مع النسيج القيمي والأخلاقي والسلوكي داخل المجتمع الذي ينشط فيه هذا الإعلام.
ولكن - وبكل أسف - نجد الفضائيات العربية ( في غالبها) تركز على الطرح الذي يضعف المكونات الوجدانية للشباب في البلدان الإسلامية، ويهز القيم لديهم في حين أن الشباب في حاجة لإعادة الثقة بأنفسهم، وبلغتهم وبثقافتهم وبتراثهم وبأدبهم الفني والشعبي وغير ذلك من مكوناتهم التراثية والحضارية.
كلكم يرى ويسمع ويلاحظ على كثير من شبابنا اليوم تصرفات غريبة، ليست نابعة من البيت، ولا من المدرسة، ولا ناتجة عن مخالطة شعوب أخرى ذات ثقافة طاغية، ولا هي مكتسبة من العيش في بيئات غريبة، ولا هي أيضا نتيجة اطلاع بل هي نتاج مشاهدة كثيفة لبعض الفضائيات، وطالما يوجد هذا التأثير القوي على هذه الشريحة المهمة لماذا لا ننتقي لها ما يعزز عناصر قوتها بدل التشويش عليها؟ وإذا سألت بعض القائمين على بعض الفضائيات التي تنشر كل ما يقعد الأمة، ويسطح بثقافة الشباب عن السبب يقول لك: أنا يهمني المكسب والانتشار والربح، حسناً فإن هذه الأشياء لا تتصادم مع تقديم برامج جيدة وايجابية وفاعلة، فالبرامج الهادفة لا تتعارض مع العائدات المالية، بدليل ان بعض من حولوا قنواتهم الى توجه إيجابي 100% زادت مداخيلهم بصورة لافتة للنظر، فالقضية تحتاج الى شيء من القناعة والجدية وتحمل المسؤولية.
لماذا تحرص بعض الفضائيات على التكثيف من عرض مواقف العنف والمشاهد الشاذة والمشاعر العدوانية التي تؤثر سلباً في التكوين الوجداني والثقافي والعاطفي لدى الشباب، وهي تدرك أن مثل هذه الرسائل هي المسؤولة عن التصرفات والسلوكيات السلبية التي تعايشها بعض المجتمعات، فالتعليم والمعرفة والخدمات الإنسانية وتوجيه السلوك وتقويم الأفكار وتنمية المشاعر الايجابية لدى النشء مازالت تبحث عن مكان لها في الكثير من الفضائيات، وهذا يشكل مصدر خطر على الايجابيات التي يؤسسها البناء الاجتماعي، ويضعف فرص توعية الشباب والسعي لمساعدتهم في التغلب على مشكلاتهم، والاسهام في القضاء على ظاهرة البطالة، ونشر القيم البناءة.
لا أحد يمكنه القول: إن برامج الفضائيات يجب أن تتحول الى مادة إسلامية أو دينية، أو أن تتحول وسائل الإعلام الى مراكز تربوية، رغم أن الجوانب التربوية تأتي على ذروة سنام مهام الإعلام ورسالته تجاه المجتمع، وتقع ضمن مسؤولياته، لكن ما يتوقعه العقلاء (وفاء للشباب) ضرورة أن تتجنب الفضائيات العربية ما يتفق الجميع على أنه ليس مفيداً للشباب بل هو سلبي لهم، وتجتهد في تنقيح ما يختلف حوله الناس.
الأمر أكبر من مجرد خاطرة تكتب في صحيفة ليتسلى بها القراء، بل الأمر يتعلق بجيل كامل، وبمستقبل أمة عزيزة ولها مكانتها الوسطية تاريخياً وثقافياً وحضارياً ودينياً، فمن هم قادتها مستقبلاً؟ وماذا يحملون من مقومات القيادة؟ ومكونات الفكر؟ الأمر يطلب التقاء أهل الفكر والعلم والدين والحكمة والرأي السديد على أعلى المستويات لبحث أهم قضية وأكبر خطر، وليكن البحث على شاشات الفضائيات ليكون الشباب أول المتلقين، وعسى أن يكون ذلك قريباً.