Al Jazirah NewsPaper Tuesday  13/05/2008 G Issue 13011
الثلاثاء 08 جمادى الأول 1429   العدد  13011
 
ديون لا تزول
صلاح بن سعيد الزهراني- الرياض

 

الحمد لله على نعمته التي أنعم علينا في ظل هذا الحكم الرشيد، الذي سار على درب بانيه أبي تركي - رحمه الله- وأسكنه فسيح جناته، وفي السطور القليلة أجتر مأساتي وأمثالي ممن وقعوا فريسة لطلب السيولة تحت وطأة الحاجة، وخدعهم بريقها الجذاب فوقعوا ضحية لديون تجر ذيولاً أطول منها بكثير. وأتذكر دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يستعيذ بالله من غلبة الدين وقهر الرجال، وواو العطف للدين على قهر الرجال تعني أن الدين نوع من القهر لا يجب أن نذهب إليه طائعين مختارين، وهو ما يحدث مع الغلبة الغالبة ممن يعيشون بمبدأ (أعيش اليوم وليكن غداً ما يكون)، ولا يدرون أن لكل آت حديث.

أشكو إلى الله ويشكو الكثيرون أمثالي ليس في بلدنا هذا فقط، بل في الكثير من بقاع العالم، فتحت وطأة الحاجة والعوز، يضطر المرء إلى الاستدانة من البنوك، على أمل أنه سوف يكون بمقدوره مستقبلاً أن يسدد، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فلكل يوم مطالبه وظروفه، وهكذا يستبدل الدين بدين، إلى أن تغلبه الديون، ويقعد ملوماً محسوراً، وقد تمتد به هذه الرحلة الصعبة طيلة الحياة، فتؤرق الجفن وتنزع من القلب الإحساس بالطمأنينة، فكيف يجتمع الدين مع السعادة.

قد يناسب بعض الناس هذا النوع من التعامل مع البنوك، وهم فئة قليلة ممن لديهم الإمكانات للهرب من جشع البنوك بسرعة السداد، لكن الفقراء لا يزيدهم الدين إلا فقراً، فالبنوك لا تقرضنا قرضاً حسناً، ولا ترقب الله فينا، فدينها الربح وديدنها الربا، والويل كل الويل لمن يعجز عن السداد، فإذا كانت الآية (245) من سورة البقرة تقول: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}. والآية (11) من سورة الحديد تقول: {مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}، فالبنوك تقول: من ذا الذي يقترض فيعجز فأضاعف الدين عليه حتى أهلكه.

والإنسان يمر في رحلة الحياة بظروف عارضة كالمرض والعجز وغيرها، أسأل الله عز وجل أن يكفينا الشرور فإذا واجه أي منا هذه الظروف يعجز ولو مؤقتاً عن الوفاء بالتزاماته تجاه البنك الدائن وبالتالي تزيد أرصدته التراكمية أضعافاً مضاعفة، فالدين كالبحر فهل إذا ما أخذت من البحر ماءً ينقص منه شيء.

وقد يلجأ بعضنا للاستدانة لمواجهة ظروف طارئة، مثل شراء منزل أو شراء سيارة أو زواج أو لمواجهة ظروف حادث لا قدر الله، والبنوك تستقبل طالب القرض بالابتسامة والترحاب وتلقاه عند العجز عن الوفاء بالعبوس والإنكار، فعميل الأمس طرفاً لنزاع اليوم أو الغد، فإذا وقع الفأس في الرأس ضربنا كفاً بكف قائلين: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

لقد مررت بهذه الرحلة رغماً عني، رغم ظروفي الميسرة والحمد لله، ولكن ما واجهته مع البنوك شيء لا يصدقه عاقل ولا يقبل به المنطق والعقل، وأحببت أن أنقل للقارئ تجربتي عبر صحيفتي المفضلة (الجزيرة) وفق الله القائمين عليها إلى ما يحبه ويرضاه، وكل أملي أن يدرك المتلقي أبعاد ما بين السطور مع معاناة، لعله يحسن الاختيار بين الدين والصبر، ولو أنه مر لكن عاقبته دائماً خير.

لقد ابتلي أحد الأصدقاء بهذا الداء، فأدمن الاستدانة والشراء بالبطاقة والسحب النقدي، وإدمان هذا النوع من السلوك لا شك يورد موارد التهلكة، وأحسب والعلم عند الله أن حوالي 70% من المتقاعدين مدينون للبنوك، ناهيك عن الكثير من الموظفين، علماً بأن دولتنا رعاها الله بذلت ولا تزال تبذل الكثير في عون ذوي الحاجة، والعمل لصالح المواطن، فكم من مقترض من الدولة عفت عنه وأسقطت دينه، وكم يتيماً آوته، وكم أرملة أو مطلقة تصرف لهم رواتب الضمان الاجتماعي لسد حاجاتهم وكفايتهم العوز والسؤال. {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً } المعارج 19-21)، والنفس أمارة بالسوء، فهي كالنار تقول دائما هل من مزيد، ورغم وجود العقل إلا إن الأمل قد يدفع الناس لاتخاذ قرار تحت وطأة الظرف فيلجأ المرء إلى البنوك التجارية التي تنشط في هذا المجال بشكل ملحوظ، فنحسبها عوناً وما هي بعون، والمطالع لأحوال العباد في كثير من بلدان الجوار التي نسافر إليها يلمس الفارق في كل المجالات، وعندما تطأ أقدامنا أرض الوطن نقول الحمد لله على نعمائه.

وأتساءل، لماذا لا تقوم مؤسسة التأمينات وصندوق معاشات التقاعد بصرف سلف للمتقاعدين بضمان تقاعدهم وتستفيد هي بدلاً من البنوك بعوائد معقولة لا ترهق المدين، وفي نفس الوقت أداء المدين مضمون ولن تتحمل هاتان الجهتان مصاريف التأمين على سداد الدين إذا عجز المدين عن الوفاء مثل البنوك، التي غالباً ما تضيف هذه النفقة إلى عائداتها المفترضة فتزيد من أعباء الديون على المدينين، فتحمي بذلك المواطن من تحمل ما لا يطيق، وفي نفس الوقت تكون المنافسة عادلة إلى حد ما مما يقلل من النفقات التي يتحملها من تلجئه الحاجة إلى الاستدانة من البنوك، وإذا كانت القاعدة الشرعية تقول لا ضرر ولا ضرار، فإن المدين هو المتضرر دائماً، فأين محل تطبيق هذه القاعدة من البنوك التي تضاعفت أصولها على أنقاض ذوي الحاجة من المعسرين الذين لجؤوا إليها لمساعدتهم و ها هم اليوم يطلبون المساعدة للتخلص من الأعباء الثقيلة التي جرها الدين عليهم نتيجة أنظمة البنوك التي لا هم لها إلا الربح وتعظيم الربح مهما كانت آثار ذلك على عملائها المقهورين.

أدام الله علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وكفانا وإياكم شر الزلل إلى هاوية الاستدانة، إنه على ما يشاء قدير.

أسأل الله عز وجل أن يحفظ لنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير سلطان بن عبدالعزيز والأسرة الطيبة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعين على نوائب الدهر.. آمين.



alkatbz@hotmail.com
التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد