(أبكي على ما جرالي ياهلي).. (وتحملتك بما فيه الكفاية ولاظني أبتحملك ثاني).. (وتعبك راحة) وسيل من القصائد المغناة التي اعتصرت قلوب الشعراء حتى وصلت إلى مائدتنا.. وترنمت بها (الطقاقات) لتتمايل عليها أجساد الفتيات طرباً.. وهندسة الجسد تقول لنا ما علاقة تلك الحركات العشوائية أحياناً كما يرقص البعض.. والحركات المتفننة كما يرقص البعض الآخر.. ما علاقتهما بنزيف الشعراء الذين كتبوا عن تجربة مؤلمة أو عن قصة حب لم تكتمل فصولها.. وأي أنغام تحكي تفاصيل الجسد وتجعله يتحدث بلغة الصم البكم وتكون لغته عظيمة ومؤثرة.. وننظر للمدرجات في الصالات المغلقة وإذا بها ترتجف من كثرة الحراك.. كل يغني على ليلاه.. وأولئك الذين لا يجيدون الرقص يتناولونه كالقطار السريع الذي لا يقف عند محطة ولا تسترعيه نغمة.. ولكنهم وبكل ثقة يتمايلون وتغيبهم خطوتهم المتعثرة عن مراقبة أجسادهم التي لا تجيد الرقص ولا تدرك نظرة المتفرجين.. كثيرون أولئك الذين لا يجيدون الرقص ويمكثون في صفوف المتفرجين.. وأحترم فيهم خصلة الحياء من الأنظار الثاقبة التي تفعل النقد عن علم ودراية فهي تدرك أبجديات نحن نتجاهلها.. ولكن ما يثير عجبي كيف يتمايل الجسد على أغنية حزينة تعبر عن معاناة أرهقت كاتبها ولم تأتِ إلا بعد أن اعتصر القلب من الوريد إلى الوريد.. ثم تتقافز عليها الأجساد!!
أذكى شاعر.. يخشى من تمايل أجساد النساء على جراحه.. ذلك الذي اشترط على الملحن ألا يستفز مشاعر الرقص ويجعلها فقط تطرق بوابة الأذن فتنحدر إلى القلب.. لا يهم إن كان هناك شخوص تستعذب هذا النوع من الكلمات فتترنم بكلمات أخرى تثير الجسد ثم تعيشها بحذافير الشخص الذي يغتصب الكلمات المهم أن تثبت قدرتها فوق جرح ثائر وإن استعاذ الشاعر بها من كيد النساء.. إذاً لا يوجد شاعر استطاع أن يوقف النساء عن رقصها.. لأن الرقص لغة تحكي التفاصيل الغائبة والتي لا تستطيع النساء الإفصاح عنها في زمن ألجمت فيه الأفواه وأوصدت الآذان إلا عن التقليدي من القول.. أرقصن يا نساء ما طاب لكن الرقص.. فكلنا يمتلك لغة معينة يعبر من خلالها عن خوالجه فمثلك مثل الكاتب الذي لديه ثروة هائلة من المتردافات هو يثرثر على الورق.. وأنت تثرثرين على الملأ.. وكل منكم تفسر ثرثرته حسب العقول الحاضرة.. وينتهي بنا المطاف إلى جعبة مخرومة تتقيأ بطريقتها المفضلة ولا يبقى إلا الغث.. أما السمين فيذهب جفاءً.