رفع القدر راية الحزن ولوح الفراق بالوداع.. وأعلن الخبر أحسن الله عزاءكم وعظم أجركم ورحم الله أموات المسلمين.. حينها توقفت مسيرة الأفراح واسودت الدنيا في وجهي. أحسست أن الحياة قاسية وعلمت يقيناً أنها لم ولن تصفو لأحد من البشر. شعرت بذلك يوم فقدت كنز الحنان حين توقف ينبوع العطاء وانطفأت شعلة الضياء وانصهرت شمعة الوفاء يوم لا أنساه طيلة حياتي خيم فيه الحزن على قلوبنا وكسانا الزمن بثياب الألم، إنه يوم الوداع والدموع يوم وفاة جدتي -رحمها الله- شعرت بأني فقدت شيئاً يعني لي الكثير قد سلب مني فجأة دون مقدمات.. إلا أنه بقي لدي أمل أنها ستعود! نعم إنها لم تمت إلا أن البيت اكتظ بالمعزين، كنت أنظر إلى النساء وكل منهن قد حملت صورا عدة من الألم والحزن بعضهن يبكي والبعض الآخر يحاولن أن يتمسكن بحبال الصبر الموثقة بالإيمان بالقضاء والقدر بينما كانت دموعي على وشك أن تنفجر ينابيعها لتعبر عن مشاعري الحزينة والصدمة القوية التي لم أتحملها.. حاولت أن أتمالك نفسي إلا أن كل شيء في داخلي انهارت أركانه، وانطلقت إلى غرفتي تسابقني آهاتي ودموعي التي ذرفتها حتى أغرقت وسادتي بسيل منهمر من ملح الدموع أمطرته سحائب الحزن ثم ثارت براكين المشاعر التي لم يطفئها سوى غفوة على أثر الإرهاق وصوت النشيج استيقظت فجأة فتحت باب غرفتي وخرجت مسرعة إلى مصلى جدتي فلم أجد سوى سجادتها وحيدة تشكو غيابها ولسان حالها يقول: أين الجبين الذي كان يصافحني كل حين خشوعاً لله؟ أين الدموع التي كانت تعطرني ابتهالاً إلى الله أين الذي كان يبقى معي طوال الليل ووقت الضحى.. ذهبت إلى غرفتها فلم أجد غير رائحة ملابسها الطاهرة كطهر قلبها.. كل شيء هناك حزين سريرها دولاب ملابسها أغراضها أحسست أن كل جماد يبكي بلغة الصمت على فراقها وبقي لي بصيص من الأمل يشجعني برؤيتها مرة أخرى وظل الحلم يعدني بذلك لكن كل شيء تبدد حين طلبت إدارة المدرسة إحضار شهادة الوفاة وكأنهم لم يعلموا بهذا المصاب أو يشعروا بألم المأساة أو يكتفوا بجموع المعزين الذين توافدوا من كل مكان.. قلت لنفسي ألا يكفي دليلاً الصلاة على الجنازة والقبر الذي أودعنا فيه جدتي اللهم اجعله روضة من رياض الجنة اللهم آمين، ثم بقيت متسائلة أهكذا يواسي المحزونون ألم يصدقوا أن جدتي ماتت.. قطعت هذه التساؤلات وأنا اقترب من والدي في حالة من السرحان والتردد طلبت منها شهادة وفاة جدتي حتى لا أحرم من درجات المواظبة أو الخصم منها نظراً لغيابي عن المدرسة أيام العزاء.. أعطاني الشهادة وأحسست وأنا أنظر إليه أني قد نكأت جرحه فتحتها وقرأتها فكان قد كتب فيها (اسم المتوفى وعمره وتاريخ وفاته) حينها شعرت ولأول مرة أن الأمر أصبح واقعاً وليس لحظة عابرة وسيعود كل شيء كما كان.. أحسست أني وحيدة ولا مكان لي في هذه الحياة وأنه لم يعد لها طعم أو فرح وجدتي قد انتقلت إلى رحمة الله.. سلمت الشهادة للمعلمة وعدت إلى مقعدي فكنت في الفصل حاضرة باسمي وجسمي لكن عقلي وقلبي كانا هناك مع جدتي ولحظات الدفء والحنان التي كانت تغمرنا بها.. جدتي كيف سيكون للعيد فرح وأنت لست معنا؟ وكيف سيكون للنجاح ذوق وأنت لم تشاركينا فرحته بل كيف سيكون للسفر عنوان وأنت لست في المرتبة الأمامية؟ جدتي كيف سيكون للرحلات متعة وأنت غائبة عنا؟ أرجوكِ أجيبني كيف سيكون لرمضان حلاوة ومكان جلوسك على سفرة الإفطار حزين يسأل عنك؟. يا الله من سيهرب إليه إخواني الصغار حين يخطئون بشقاوة طفولتهم ويلجؤون خلفك خوفا من عقاب الآخرين؟ أسئلة كثيرة والجواب واحد تذكرته حين كانت تلك المرأة يوم العزاء وهي تهون على النساء الحزن حين كانت تتلوا قوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}ماتت جدتي ولم يمت حبها في قلوبنا رحلت إلى ربها وقد غرست أشجار الخير في بساتين مشاعرنا أهدت للوطن ابناً صالحاً يدافع عن الدين ثم المليك والوطن ولأهله وأبنائه أباً حنوناً كريماً عطوفاً وللآخرين إنساناً عظيماً بأخلاقه ومواقفه واحترامه إنه بكل فخر وشرف واعتزاز والدي المقدم فهد بن سعد بن طوالة الشمري -حفظه الله- ووفقه ومتعه بالصحة والعافية الذي بقي عزائي الوحيد بعد وفاة جدتي وأملي الدائم بجمال الحياة وبجمال الحياة وبهجتها. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}