Al Jazirah NewsPaper Saturday  24/01/2009 G Issue 13267
السبت 27 محرم 1430   العدد  13267
 

سوانح من الذكريات مع شيخ رحل
د. عبدالعزيز بن عبداللطيف آل الشيخ

 

الأيام لها إيقاع الحياة والحياة مرحلة من خلالها نعبر إلى حياة ثم حياة. من بعد ظهر يوم الجمعة (غرة شهر صفر 1426هـ) غادر حياتنا الدنيا رجل علم وفضل هو معالي الشيخ عبدالعزيز بن العم الشيخ محمد بن العم إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ، وعلى الرغم من فارق السن، كانت لي به- رحمه الله- علاقة متواصلة عبر سنين مضت أتذكر معظمها. لي مع الشيخ الراحل وقفات من خلالها عسى أن أقوم ببعض الواجب وأن أوفيه بعض الحق، تغمده الله برحمته وأدخله فسيح جناته. ثلاثون يوما بالتمام تفصل وفاة والدتي رحمها الله وجمعنا بها في دار كرامته في غرة شهر الله المحرم من عام هجري جديد، وشيخنا يتوفاه الله في غرة شهر صفر.

من صفاته التي لا يمكن أن تنسى الأدب الجم وتقدير الصغير والسؤال عن أحواله ومؤانسة الجليس والتوجه إليه بكل اهتمام. وبالإضافة إلى علمه فهو أديب له مشاركات وإطلالات بالرأي في بعض شؤون المجتمع وقضاياه، أما خبرته وإسهاماته في خدمة الوطن فمن الصعب أن أوفيها ذكرا وتحديدا، سواء في مجال الإدارة القضائية أو التربوية الجامعية أو في مجال إدارة شؤون الحسبة أو في مجال الاستشارات الشرعية والإدارية.

عودا إلى سنوات تقارب الخمسين أبديت لوالدي- رحمه الله- الرغبة في الالتحاق بالمعهد العلمي السعودي بالرياض متحولا من المدرسة المحمدية الابتدائية، ويعرض الأمر على الشيخ الذي كان يضطلع بإدارة المعاهد العلمية بالمملكة، ويطلب مني اجتياز مقابلة شخصية وامتحان قبول، إذ لا مجال في نظره أن يستثنى طالب مهما كانت له صلة من نوع ما، وأقبل على مضض متخوفا من النتيجة، ولكن بحمد الله سارت الأمور على ما يرام واجتزت الامتحان والمقابلة وتم قبولي في المعهد. وبعدها بسنوات عديدة يراجعني ابنه عمر، تغمده الله برحمته، في كلية الآداب بجامعة الملك سعود إذ كنت عميدا للكلية آنذاك، في شأن من شؤونه، إذ كان طالبا في الجامعة معتمدا على نفسه لا على مكانة والده ولا على مكالمة منه.

وأقوم بزيارة له- رحمه الله- في إحدى الأمسيات وقد ذهب إلى داخل بيته ثم يؤذن لي بالدخول في مجلسه بعد أن ذكر له من الزائر، ويأتي لمقابلتي قائلا كنت متوجها إلى داخل المنزل ولكن عندما علمت أنك هنا رجعت لمقابلتك، رحمك الله يا عم، كم متعتنا بلطفك وفيض عواطفك، اللهم كفر عن سيئاته وارفع درجاته ولاتحرمنا أجره ولا تفتنا بعده. وهنالك مداعباته الجميلة مع الشباب الواعد تشجيعا وحبا لهم يأتي الشيخ ببيت شعر لا أعرف من نظمه أو من اقتباسه:

(وقفت أمام عينك كي تراني ..

بعين الحب في غزل جميل)

ويطلب من الإبن زياد الذي كان في مهمة علمية تدريبية في جنوب إفريقيا أن يضيف إليه أبياتا على غراره، عندما قيل له أن زياد يقرض الشعر، فيكمل زياد:

(دليل الحب من شوق أصيلِ

إلى الحب الجميل بلا دليل

تحلىكل شعر فيَّ حتى

كأني كل أوزانِ الخليلِ

فلا ليل ٌيمر علىّ إلا

وفي أنفاسه روح ُ العليل

يضم عبير كحلي ثم يمضي

كحيلا فاح من عبق كحيل

فنايي كل قافية تغني

وحرفي كل موالٍ طويل)

وبعد اطلاعه على الأبيات رحمه الله قال: (لله دره ودر من درره).

ودار بيني وبينه حوار حول قضية من القضايا ووجهني أن أقرأ المزيد عن الموضوع، وسرعان ما أهداني كتابا له علاقة بالموضوع الذي تمت مناقشته، ثم استكملت نقاش الموضوع معه رحمه الله في جلسة أخرى. أما في الطائف، بعيد تعيينه رئيسا لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، زرته في مكتبه، ودار بيني وبينه حديث ودي وجميل، أخبره عن دراستي في الخارج ويذكر لي ما يجب أن يتحلى به الطالب في الدول الأجنبية من المحافظة على دينه وقيمه وأخلاقه وتواصله مع وطنه وأبناء وطنه ممن هم يدرسون معه أوقريبا منه في غربته. ثم كان في زيارة لأمريكا واتصلت به- رحمه الله- ودعوته لزيارة الولاية التي أدرس فيها واعتذر بلطف جم وذكر أن ليس لديه الوقت الكافي لذلك.

ولقد وقعت يدي على شعر جميل كتبه في رثاء ابنه عمر في اليوم الخامس من وفاته (مات عمر، شابا رحمه الله رحمة واسعة، في الثامن والعشرين من شهر جمادى الآخرة لعام 1404هـ)، والقصيدة بخط اليد وتتكون من أربعة عشر بيتا، أوردها هنا:

يا فجوة في حياتي خطها القدر

مصيبة عظمت أن مت يا عمر

مصيبة عصرت قلبي وقد فتكت

بي فتك صاعقة لم تبق أو تذر

قد كنت مليء عيوني إن نظرت بها

وكنت نور حياتي إن طغى كدر

وكنت لي بهجة الدنيا وزينتها

يزينك الطهر بل أخلاقك الغرر

قد كنت لي عضدي بل كنت لي سندي

بل كنت لي أملي فاغتالك القدر

مشيئة الله لا عتبى ولا سخط

كما رحلت فكل الناس ينتظر

يا من يعز علينا فقد طلعته

في دارنا وحشة في بيتنا كدر

قد كنت تملؤه قد كنت بهجته

قد كنت شمعته يا ابني أيا عمر

لو كنت تفدى لقدمنا النفوس فدى

لكنه قدر ما فوقه قدر

وكنت برا رحيما طيبا فكها

حلو الشمائل زانت ذكرك السير

يا رب بالصبر ثبتني وخذ بيدي

واجبر مصابي وضعفي إنني بشر

يا رب بوئه في الجنات منزلة

ترضى بها روحه والذنب مغتفر

واخلفه في أهله خيرا فأنت لنا

نعم العزا خلفا أن مسنا الضرر

واحفظ بلطفك أولادي وكن لهمُ

موجها ومعينا أنت مقتدر

ويذكرني بمثل تلكم القصيدة للشيخ عبدالعزيز،- رحمه الله-، ما كتبه الإبن زياد في رثاء ابن خاله (عبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ) الشاب الذي وافاه الأجل وهو على مشارف العشرين من عمره في الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة عام 1428هـ، رحمه الله وعوضه بالجنة دارا وقرارا، فقد كتب قصيدة طويلة أورد عشرين بيتا منها:

حكت لي حين نامت مقلتاهُ

حكت لي ما نراه ولا نراهُ

حكت لي أن قلبي صار ناياً

مذ ارتعشتْ لميتته الشفاهُ

تحير كل قلبٍ أين يبكي

وأين تراه قدْ يبرى تراهُ

***

شكا الدمع السفيح بكل خدٍ

قذى في العين لا يجلى قذاهُ

حكتْ عشرينه عني وعنهُ

عن الطرف المسهد إذ بكاهُ

وعن أيامه وعن الليالي

صباهُ وما يعلله صباهُ

***

فعبدالله رمحٌ سمهريٌ

ونخلٌ لا يظلله عَداهُ

***

وساقية تسير بغير نبع

ونبعٌ لا يكدره حصاهُ

وصفوانٌ يزل الرمل عنهُ

ترقرقَ في صفاوتهِ ظماهُ

وغيم أكحلٌ حبست يداه

فلم يفتحْ لربوته حشاهُ

وقد نعمت به نجدٌ سنينا

يفوح على مضاربها نشاهُ

ويزهر كل دربٍ سار فيه

فكم درباً إلى الحسنى مشاهُ

فأضحى الماء يطلبه صفاء

وتطلبه الحدائق ما اكتساهُ

***

وعبدالله رحّالٌ بقفرٍ

بلا رحْلٍ ومركبه مناهُ

توقفَ تحت ظلٍ فوق عشبٍ

وهبت نسمة وجرى صَباهُ

وأطفأ ناره لما أضاءتْ

وأسرج ليله وسرى سراهُ

تضوَّع عمره الورديّ دانٍ

جنى العشرين في دمه جناهُ

عناقيد الحياة دنتْ ولكنْ

أيادي الموت ما قطفتْ سواهُ

له اسمٌ ياسمينيٌّ نقيٌ

سقاه من المكارم ما سقاهُ

يظل النحل ينزل فيه حتى

يجود بما يجود له نداهُ

تغمد الله موتى المسلمين برحمته وأدخلهم فسيح جنته وجمعنا بهم في دار كرامته، إنه سميع مجيب.

التعليق

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد