مرفت بخاري
لا ينتهي العام حين تُطفأ آخر أيامه من التقويم، بل حين نكتشف بهدوء مفاجئ أننا لم نعد الشخص ذاته الذي بدأه.
في بدايات الأعوام، نُحسن الاحتفاء بالبدايات. نبالغ قليلًا في التفاؤل، ونحمل أيامنا القادمة بخطط واسعة وأهداف مرتّبة، ونوقظ أحلامًا كثيرة نعتقد أنها ستكبر لمجرد أننا تمنّيناها بصدق.
تمضي الشهور ونحن نركض خلف الوقت، حتى نصل إلى نهايات الأعوام مثقلين بفكرة واحدة.. الحصاد، كأن الزمن أرض زراعية، وكأننا مطالبون بتقديم كشف حساب واضح ماذا أنجزنا؟ ماذا خسرنا؟ ماذا ربحنا؟
ننسى، أو نتناسى، أن أكثر ما يفعله الزمن بنا لا يظهر في الأرقام ، لا يُكتب في القوائم، ولا يصلح للمقارنات، ولا يجد مكانه في منشورات التفاخر.
يحدث في الداخل، بصمت، حيث تتغيّر نظرتنا للأشياء، وتخفّ حدّة اندفاعنا، ونصبح أقل يقينًا.. وأكثر فهمًا.
بعض الأعوام لا تُضيف إلى حياتنا إنجازات لافتة، لكنها تُعلّمنا كيف نُعيد ترتيب أنفسنا، كيف نخفّف توقّعاتنا، ونراجع اختياراتنا، ونتصالح مع فكرة أن النضج أحيانًا هو أن نعرف متى نتوقف.
في نهاية العام، لا نحتاج دائمًا إلى قوائم طويلة، ولا إلى وعود صاخبة، نحتاج فقط إلى لحظة صدق، نعترف فيها أن التغيّر الذي طرأ علينا مهما بدا غير مرئي كان ضروريًا، فالعام لا ينتهي فعلًا،
نحن الذين نتغيّر..
وذلك، في حد ذاته، كافٍ ليكون بداية لاستقبال مرحلة جديدة في العام الجديد لكن الحقيقة الأقل شيوعًا أن أكثر ما يفعله الزمن بنا لا يُقاس، ولا يُكتب في قوائم، ولا يصلح للمباهاة.
هذا العام، كما غيره، لم يغيّر حياتنا بقدر ما غيّر نظرتنا إليها.
بدّل لغتنا دون أن نشعر صرنا نختصر أكثر، نصمت أكثر، نختار كلمات أقل وأدق، كأن التعب علّمنا الاقتصاد في الشعور.
لم نتعلّم دائمًا دروسًا واضحة، لكننا تعلّمنا التكيّف، وتلك معرفة لا تُدرّس، بل تُكتسب بثمن داخلي باهظ، في نهاية العام، يظهر التعب الصامت؛ ذلك الذي لا يُعلن عن نفسه، ولا يطلب شفقة، لكنه ينعكس في الكتابة، في المزاج، وفي طريقة تعاملنا مع التفاصيل الصغيرة.
تعب يجعلنا نبدو «بخير» بينما نحن في الحقيقة نُدير طاقتنا بحذر، كمن يمشي على أرض قابلة للانهيار..
ولهذا نكتب كثيرًا في ديسمبر.ليس لأن لدينا ما نقوله، بل لأننا نخشى أن ندخل عامًا جديدًا دون أن نُفرغ ما تراكم في الداخل.
الكتابة هنا ليست فعل إبداع، بل محاولة نجاة.
ومع ذلك، تتحول نهاية العام في صورتها العامة إلى مشهد مكرر إنجازات مُبالغ فيها، امتنان مصطنع، ووعود ضخمة للعام القادم، نؤدي طقس المراجعة أكثر مما نمارسه، نكتب ما يُتوقع منا، لا ما نشعر به حقًا.
قلّما نعترف بأن بعض الأعوام لا تُكسبنا شيئًا سوى القدرة على الاحتمال، وقلّما نُقرّ أن النجاة، في بعض المراحل، إنجاز كافٍ.
حين أنظر إلى نفسي في يناير، ثم أراها في ديسمبر، لا أجد شخصًا «أفضل» بالضرورة، بل شخص أكثر وعيًا بخساراته، وأكثر حذرًا في أحلامه، وأقل اندفاعًا في أحكامه.
وهذا، على عكس ما يُروّج له، ليس تراجعًا، بل نضج مقنع كبرت فينا أشياء لم نحتفل بها الصبر، الشك الصحي، القدرة على المغادرة، والقدرة الأصعب.. البقاء دون تبرير.
لذلك، لا أدخل العام الجديد محمّلة بقائمة قرارات، أدخله بتصالح هادئ مع فكرة أنني قد لا أكون أقوى، لكنني أكثر صدقًا مع نفسي.
وقد لا أحقق كل ما أريده، لكنني أعرف الآن ما لا أريده، وتلك معرفة كافية لتغيير المسار.
نهاية العام ليست زمنًا.. إنها مرآة، ومن يجرؤ على النظر فيها بصدق، لا يحتاج إلى وعود كبيرة، بل إلى شجاعة الاستمرار أحيانًا، يكون التغيير بلا ضجيج، لكنه أكثر قوة من أي إنجاز صاخب.
كل عام يمر، هو فرصة لإعادة اكتشاف نفسك ليس لتصنع نسخة «أفضل»، بل لتصبح أكثر صدقًا مع ما أنت عليه، وأكثر حرية مما تتوقع.
فلتتوقفوا عن عدّ الأيام، ولتتركوا للعام أثره الخفي، المفاجأة ليست في الإنجازات، بل في ما بقي حيًا في داخلكم، جاهزًا للانطلاق مع أول لحظة من العام الجديد.
كل عام وأنتم بخير ..