د. صالح العبدالواحد
في زمنٍ تكثر فيه الشعارات وتندر فيه المقارنات الصادقة، تبرز أحيانًا شهادات صادرة من داخل التجربة نفسها، تقول ما تعجز عنه عشرات التقارير والدراسات. ومن هذا النوع تأتي شهادة البروفيسور الأمريكي روي كاسنغرادا، التي لخصت -في مقطع واحد- مفارقة كبرى في عالم اليوم.
يؤكِّد كاسنغرادا أن الولايات المتحدة هي أكبر منتج للطاقة في العالم، وأن ولاية تكساس وحدها تنتج نسبة هائلة من إجمالي الطاقة الأمريكية، بل إن اقتصاد تكساس وعدد سكانها يوازيان اقتصاد المملكة العربية السعودية وعدد سكانها. ومع ذلك، يصف تكساس بأنها من أسوأ الولايات للعيش في أمريكا، بسبب ضعف الخدمات العامة، وتراجع التعليم الحكومي، وغياب الرعاية الحقيقية للمواطن.
وعلى الطرف المقابل، تقدم المملكة العربية السعودية نموذجًا مختلفًا في الرؤية والنهج. فالسعودية، رغم كونها دولة منتجة للطاقة، لم تتعامل مع مواردها بوصفها غاية، بل وسيلة لبناء الإنسان وتنمية المجتمع وتعزيز الاستقرار. وقد تجلَّى ذلك في سياسات واضحة تستثمر الثروة الوطنية في التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والإسكان، وجودة الحياة، والحماية الاجتماعية.
هذه الشهادة، الصادرة من بروفيسور أمريكي، تختصر المشهد كله، ولا تحتاج إلى تعليق طويل، وهنا بيت القصيد، لأنها تكشف جوهر القضية:
وفرة الموارد لا تعني بالضرورة رفاهية الشعوب، ما لم تُدر هذه الموارد بعقلية تضع الإنسان في مقدمة الأولويات.
الفرق بين النموذجين لا يكمن في حجم الثروة، بل في طريقة إدارتها وفلسفة توزيعها. فبينما تشير شهادة كاسنغرادا إلى أن الثروة في النموذج الأمريكي تتركز في أيدي قلة، اختارت المملكة نهجًا يقوم على تعظيم أثر الموارد لصالح المجتمع ككل، وضمان أن يشعر المواطن بنتائج التنمية في حياته اليومية.
وهنا تبرز ميزة إضافية للنموذج السعودي، تتمثَّل في العلاقة المتينة بين القيادة والشعب. فالمواطن السعودي يتمتع بقيادة جعلت مصلحة الوطن والمواطن في مقدمة أولوياتها، قيادة تدرك أن الاستقرار يُبنى على الثقة، والعدل، والشراكة الصادقة بين الحاكم والمحكوم.
وقد انعكس هذا النهج في وعيٍ عميق لدى المواطن السعودي بأهمية المحافظة على وطنه، والابتعاد عن كل ما يمكن أن يضر بمصالحه أو يمس وحدته وأمنه.
وهذا الوعي ليس وليد مرحلة عابرة، بل هو تراكم تاريخي ترسَّخ على مدى ثلاثة قرون، تشكّلت خلالها علاقة فريدة: مواطن يحافظ على دولته وقيادته، وقيادة تحافظ على شعبها أمنًا وكرامة وتنمية.
في كل مرحلة من مراحل الدولة السعودية، كان المواطن حاضرًا بوصفه شريكًا في الاستقرار والبناء، مدركًا أن قوة الدولة من قوة تماسكها الداخلي. وفي المقابل، التزمت القيادة بمسؤوليتها التاريخية تجاه شعبها، فوسَّعت دائرة الخدمات، ورفعت جودة الحياة، وربطت التنمية باستدامتها لا بظرفيتها.
لهذا، فإن مقطعًا واحدًا من بروفيسور أمريكي كان كافيًا ليكشف الفارق بين نموذجين: نموذج يملك الوفرة لكنه يعجز عن تحويلها إلى حياة كريمة، ونموذج يرى في الموارد أداة لبناء الإنسان. وهنا تتجلَّى قيمة التجربة السعودية، لا كشعار، بل كواقع تشهد له السياسات، وتؤكده النتائج، ويقرّ به الآخرون قبل أبنائه.