د. أنس عضيبات
لم تعد المرآة هي المرجع الأول لتقييم ملامحنا؛ ففي عام 2026، انتقلت السلطة الجمالية بالكامل إلى شاشات الهواتف الذكية. خلف كل صورة «مثالية» نراها على «إنستغرام»، تقبع خوارزميات معقدة وفلاتر لا تكتفي بتعديل الإضاءة، بل تعيد صياغة الوجوه البشرية وفق معايير هندسية صارمة، وهذا المشهد خلق حالة من «الانفصام البصري» لدى المستخدمين، حيث أصبح الوجه الطبيعي في المرآة يبدو «باهتاً» أو «ناقصاً» مقارنةً بالنسخة الرقمية المحسّنة التي تعرضها الشاشة، مما أطلق شرارة سباق محموم نحو مثالية مستحيلة.
لقد نجحت الفلاتر في توحيد مقاييس الجمال عالمياً بشكل مرعب؛ أنوف دقيقة، بشرة خالية من المسام، وعيون واسعة بلمعة اصطناعية، وهذا «الجمال المعلب» لم يشوه مفهومنا عن الجمال فحسب، بل ألغى الخصوصية العرقية والجمالية للأفراد، وما كان يُعتبر سابقاً «علامات تميز» أو «نواقص جذابة»، مثل النمش أو الشامات أو حتى بعض التجاعيد التعبيرية، بات يُصنف اليوم كعيوب يجب إخفاؤها، مما جعل الوجوه البشرية تبدو وكأنها خرجت من قالب صناعي واحد يفتقر إلى الروح والهوية.
إن خلف البريق الظاهري للصور، يحذر خبراء علم النفس من تنامي ظاهرة «ديسمورفيا السناب شات والإنستغرام»، ولم يعد المرضى يذهبون لأطباء التجميل حاملين صور المشاهير، بل باتوا يحملون صورهم الشخصية بعد معالجتها بالفلاتر، مطالبين بتحويل «الوهم الرقمي» إلى واقع جراحي، وهذا الهوس بالوصول إلى نسخة «مفلترة» في الواقع أدى إلى تصاعد معدلات عدم الرضا عن الذات، وخلق جيلاً يعيش في حالة قلق دائم من مواجهة الآخرين وجهاً لوجه دون غطاء تقني يحميهم.
حيث لا يمكن فصل هذا الهوس عن المنظومة الاقتصادية لمنصات التواصل؛ فالصورة المثالية هي العملة الأكثر رواجاً لجذب المتابعين وحصد الاعجابات، ولقد تحول الجمال من قيمة معنوية إلى «منتج» يتم تسويقه، حيث تقتات شركات التجميل وتطبيقات التعديل على انعدام ثقة الأفراد بأنفسهم، كلما زاد شعور المستخدم بالنقص، زاد استهلاكه للمنتجات والخدمات التي تعده بسد تلك الفجوة، مما جعل «المثالية الزائفة» محرِّكاً رئيسياً لاقتصاد ضخم يقوم على استغلال الهشاشة النفسية. وفي المقابل، بدأت تظهر بوادر ثورة مضادة تقودها حركات «القبول بالذات» (Body Positivity)، التي تنادي بضرورة العودة إلى الطبيعة وتقديس العيوب البشرية، حيث بدأت بعض الدول بالفعل في سن قوانين تُلزم المؤثرين بوضع وسم «صورة معدلة» على المحتوى المفلتر، في محاولة لحماية المراهقين من المقارنات الظالمة، وهذه الحركات تسعى لإعادة تعريف الجمال كحالة من التصالح مع النفس، بدلاً من كونه سباقاً تقنياً للوصول إلى ملامح تخلو من المسام والحياة.
وفي نهاية المطاف، يبقى الجمال الحقيقي في التباين والفرادة التي يمتلكها كل إنسان، وهي سمات لا يمكن لأي خوارزمية أن تبتكرها، حيث إن فلاتر «إنستغرام» قد تمنحنا رضا مؤقتاً خلف الشاشات، لكنها لا تمنحنا الثقة عند مواجهة العالم، كما إن التحدي الأكبر في عصرنا الحالي هو استعادة قدرتنا على رؤية الجمال في «عدم المثالية»، وإدراك أن التجاعيد والندوب ليست سوى خرائط لقصصنا الإنسانية التي لا تملك أي «فلتر» القدرة على روايتها.