سالم محمد العمري
بلكنتها المحلية وبتلقائيتها الطبعية قالت (أم محمد) وهي إحدى ممثلات الأسر المنتجة المشاركة في مهرجان الكليجا الدولي ببريدة: (ما فيه دفع رسوم ولا شيء!!) وهي تتحدث في مقطع مرئي عن واقع تمكينها لعرض منتجاتها في مقر مهرجان الكليجا، هذه العبارة بما تحمله من دلالات لم تكن واقعا قبل دعم وتحفيز سمو أمير منطقة القصيم الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز للأسر المنتجة، ذلك التمكين الذي تحقق نظير إيمان سموه بأن نقل هذه الأسر من باحثة عن المعونة، إلى أسر منتجة فاعلة في المجتمع حسب إمكاناتها وقدراتها يمثل هدفا أعلى بل غاية لسموه ! وعليه جاء شعار (أهلنا أولى بدعمنا) الذي تبنته الجهة المنظمة (غرفة القصيم التجارية) شعارا للمهرجان وباركه سمو أمير المنطقة.
وحكاية مهرجان الكليجا بدأت قبل سبع عشرة سنة عندما ولد. لكن قصة تحوله من النمطي إلى الاحترافي بدأت منذ ست سنوات، في ذلك الحين صار التخطيط والتحضير للمهرجان يتم وفق استراتيجية تستهدف عددا من المكتسبات منها: (جودة حياة، تحفيز السياحة، إحياء الموروث، اكتشاف وتمكين أسر منتجة، خلق فرص عمل).
لماذا الكليجا؟
كان الكليجا ولا زال أحد أهم وجبات الطعام الشتوية، ولذا ناسب أن يكون رمزا وعلامة لمهرجان الكليجا الدولي ببريدة، الذي تحضر تحت قبته جميع الوجبات الشتوية، والكليجا - غيره من الأصناف الغذائية الشعبية - التي قاربت الانقراض والنسيان في وقت سابق، إلا أن حس وهمة المشرف العام على المهرجان، أمين عام غرفة القصيم التجارية الذي استثمر دعم سمو أمير المنطقة، مكّن من نقل هذا المنتج من المحلية إلى العالمية، عندما تم تصنيف مدينة بريدة ضمن المدن العالمية المبدعة من قبل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو في 2023 بعد اعتماد هيئة فنون الطهي في المنظمة لقرص «الكليجا» طبقًا رئيسًا شعبيًّا لمنطقة القصيم، وكان أبرز النماذج التي استعرضها أمين غرفة القصيم محمد بن عبدالكريم الحنايا خلال ملتقى المدن المبدعة في منظمة اليونسكو في باريس، بعد أن خاض به مسيرة التحدي والمنافسة ضمن 150 مدينة على مستوى العالم في دولة البرتغال ثم فرنسا، بعد تكليفه من قبل سمو أمير المنطقة لتولى ملف ترشح مدينة بريدة بوصفها مدينة عالمية مبدعة في هذا المحفل العالمي.
أما البُعد الاقتصادي للمهرجان فكان بُعدا نوعيا، حيث لم يبتغِ منظمو المهرجان الربح المادي، رغم أنه متاح وبيسر عطفا على نضج وتميز تسويق المهرجان خلال نسخه السابقة، وترسخه في ذاكرة شريحة كبيرة من المجتمع بوصفة علامة تسوق غذائي موسمي بارز، وإنما كان الهدف الأبعد (والأسمى) هو البعد الإنساني المجتمعي، فقد وفر المهرجان أكثر من 1500 فرصة عمل موسمية، ومكن 200 أسرة منتجة يتم تدويرها كل موسم وفق آلية تراعي العدد مقابل المكان، وقدم لها جميع التسهيلات اللازمة (مجانا) مما أتاح لعدد من هذه الأسر أن تتحول إلى حاضنات لمشاريع تجارية لديها خطوط إنتاج ذات عائد ربحي مجز!
وبعد أن حقق المهرجان هدفه الأول محليا رأى المنظمون مناسبة نقله من المحلية إلى العالمية مستندين في ذلك إلى عنصرين رئيسين؛ الأول يتمثل في مشاركات دولية للمهرجان في النسخة الأخيرة (السابعة عشرة) التي انطلقت يوم الخميس التاسع عشر من شهر رجب هذا العام، أما العنصر الثاني فهو اعتماد منظمة اليونسكو بريدة مدينة عالمية مبدعة، هذان العاملان كانا منطلقين جديرين لتوجيه سمو أمير المنطقة لإطلاق مسمى (مهرجان الكليجا الدولي في بريدة) الذي وجه سمو أمير المنطقة باعتماده بعد زيارته للمهرجان ووقوف سموه على تفاصيله ومخرجاته.
ومن أبرز مخرجات مهرجان الكليجا التي جاءت نتيجة طبعية لهذا الحراك الحيوي، هي تمهير الفريق التنفيذي العامل في المهرجان وتعزيز كفايتهم المهنية، فمن زار المهرجان خلال فترة إقامته الممتدة من 8 حتى 22 يناير لهذا العام فإنه يلحظ وبجلاء تلك الدرجة المميزة بل الاحترافية في التنظيم وحسن إدارة الحشود، في تجمع يرتاده يوميا ما يقارب 45.000 ألف زائر حسب الإحصاءات، لم تسجل خلال فترة إقامته أي ملاحظة، بل زاد على ذلك الإبداع ميزة الإهداء التذوقي الذي يسم المهرجان في جميع مرافقه!! ربما ينتفي العجب إذا عرفنا أن غرفة القصيم التجارية الجهة المنظمة للمهرجان قد استوفت التخطيط للنسخة القادمة الثامنة عشرة.
إذن فالمهرجان لم يكن مجرد محطة تسويق كما قد يبدو لغير المتابع، بل كان تظاهرة ثقافية اقتصادية اجتماعية سياحية يعكس جوانب رئيسة من مدينة بريدة ومنطقة القصيم عموما بجميع مكوناتها.
ولذا، فإن هذا النجاح على أكثر من صعيد يعكس نجاح غرفة القصيم التجارية، ومهارة أمينها العام المشرف العام على المهرجان الذي تولى ملف (عالمية بريدة المبدعة في منظمة اليونسكو من خلال الكليجا) ومتابعة رئيس مجلس إدارة الغرفة علي بن سليمان المقبل الدائبة.
كما أن هذا النجاح يمثل تحدياً آخر يلقي بمزيد من المسؤولية على المنظمين، لأن الجميع (مشاركين وزائرين) يستشرفون مزيدا من الإبداع والتميز في النسخ القادمة.