مجيب الرحمن بن عثمان
ليست الأخلاق ترفًا فكريًا ولا خطابًا مثاليًا يُقال في المناسبات، بل هي العمود الفقري لأي مجتمع يسعى إلى الاستقرار والتنمية والازدهار. فحين تُغرس الأخلاق كقيمة اجتماعية راسخة، تتحول إلى منظومة وعي تضبط السلوك، وتوجّه القرار، وتحمي المجتمع من الفساد والانهيار.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية، قديمًا وحديثًا، أن الدول التي سبقت غيرها في ميادين العلم والمعرفة والصناعة، لم تتقدم بالمال وحده ولا بالتقنية فقط، بل تقدمت أولًا بالأخلاق. أخلاق العمل، وأخلاق البحث، وأخلاق المسؤولية، وأخلاق احترام الإنسان وحقوقه. فالإتقان ليس مهارة فنية فحسب، بل قيمة أخلاقية. والإخلاص في العمل ليس شعارًا، بل سلوك نابع من ضمير حي.
الأخلاق تضع لكل ذي حق حقه، وتمنع تغوّل القوة، وتكبح شهوة الفساد. فحين يكون الإنسان صاحب خُلُق، فإنه لا يعتدي على غيره، ولا يبرر الخطأ، ولا يختبئ خلف المنصب أو النفوذ.
ومن هنا نفهم لماذا تنخفض معدلات الجريمة في المجتمعات التي تعزز القيم الأخلاقية: لأن الردع الحقيقي لا يكون دائمًا بالقانون، بل بقناعة داخلية بأن الظلم مرفوض، والاعتداء جريمة في حق الإنسان قبل أن يكون جريمة في حق النظام.
وفي ميدان البحث العلمي، تظهر الأخلاق بأعلى صورها. فالموضوعية قيمة أخلاقية عليا، والصدق العلمي، ونزاهة النتائج، واحترام المنهج، كلها أخلاق قبل أن تكون قواعد أكاديمية. ولا يمكن لمجتمع أن يراكم معرفة حقيقية إذا تساهل في أخلاقيات البحث أو سمح بتزييف النتائج أو سرقة الجهود.
إن تعزيز مفاهيم الأخلاق بوصفها قيمًا فلسفية مؤسسة للوعي، لا مجرد أوامر سلوكية، هو ما يصنع الفرق بين مجتمع ينهض ومجتمع يراوح مكانه. فالأخلاق حين تُفهم فلسفيًا، تتحول إلى قناعة، وحين تتحول إلى قناعة، تصبح ممارسة يومية، وحين تصبح ممارسة، تخلق بيئة صحية للنمو والتقدم وتحقيق الأهداف الكبرى.
وفي زمن تتسارع فيه التغيرات، وتتعاظم فيه المخاطر، يبقى الاستثمار في الأخلاق هو الاستثمار الأكثر أمانًا، لأنه استثمار في الإنسان ذاته. فالإنسان الأخلاقي هو أساس الدولة القوية، والمجتمع المتماسك، والتنمية المستدامة.
فالأخلاق ليست فقط ما يجعلنا صالحين..
بل ما يجعل أوطاننا قابلة للحياة والازدهار.