جمال بن على بوحسن
عندما تُذكر إدارة الأزمات في محيطها الإقليمي والدولي، فإن التجربة السعودية تبرز بوصفها إحدى التجارب التي ارتبطت في نظر كثير من المراقبين بالتروي، وبعد النظر، وتغليب الحكمة على الانفعال، والحوار على التصعيد. فمنذ قيام الدولة السعودية الثالثة على يد المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - تشكلت ملامح مدرسة سياسية اتسمت بالاتزان في اتخاذ القرار، والقدرة على استيعاب المتغيرات، والنظر إلى الأحداث بمنظور استراتيجي بعيد المدى، وهي السياسة التي سار عليها أبناؤه الملوك من بعده، وصولًا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود - حفظه الله - وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز - حفظه الله.
إن السياسة السعودية لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على صناعة المواقف، ولم تُؤسس على الانفعال، بل على الحكمة، ولم تستمد قوتها من الصخب الإعلامي، بل من ثبات المبادئ ورجاحة القرار. ولذلك بقيت المملكة، على امتداد عقود، ركيزةً للاستقرار، ووجهةً للمبادرات، وبيتًا للحوار، وشريكًا موثوقًا في صناعة الأمن والسلام.
لقد أثبتت التجارب أن الدول العظيمة لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات مادية فحسب، بل بقدرتها على إدارة الأزمات بحكمة، وتحويل التحديات إلى فرص، وصناعة التوافق بدلًا من تعميق الخلافات. ومن هذا المنطلق، ستظل المملكة العربية السعودية، بقيادتها الحكيمة قبلة العالم في عمليات السلام إذ تمثل نموذجًا في الاعتدال السياسي، ورمزًا للحكمة في إدارة الأزمات، وصوتًا للعقل في عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتزايد فيه التحديات.
لقد أثبتت السياسة السعودية الرصينة عبر محطات تاريخية عديدة، أن إدارة الأزمات لا تُقاس بردود الأفعال المتسرعة، وإنما بقدرة الدولة على احتواء التحديات، وتقديم الحلول، والحفاظ على المصالح، ومنع تفاقم الصراعات. ولهذا أصبحت الحكمة والحنكة السياسية من السمات التي ارتبطت بالنهج السعودي، حتى بات كثير من الباحثين ينظرون إلى هذه التجربة باعتبارها مدرسة سياسية قائمة على الاعتدال، والواقعية، والعمل الهادئ بعيدًا عن المزايدات والانفعالات.
وتقوم السياسة السعودية على مبادئ راسخة، في مقدمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والحرص على تعزيز الأمن والاستقرار، ودعم الحلول السياسية للنزاعات، وهو ما منح المملكة مكانة تحظى بالاحترام والثقة لدى العديد من الدول والمنظمات الدولية، وجعلها طرفًا مقبولًا في جهود الوساطة وتقريب وجهات النظر.
ويزخر التاريخ بمحطات تؤكد هذا النهج؛ فمن أبرزها الدور السعودي في إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية من خلال اتفاق الطائف عام 1989، الذي أسهم في وضع حد لسنوات طويلة من الاقتتال الداخلي، كما كان للمملكة دور بارز ضمن التحالف الدولي الذي أدى إلى تحرير دولة الكويت واستعادة شرعيتها بعد الغزو العراقي عام 1990، فضلًا عن مساهماتها المتواصلة في دعم الاستقرار العربي والإسلامي، ورعاية العديد من المبادرات السياسية والإنسانية والتنموية.
وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التحديات الأمنية التي شهدتها المنطقة، برز الدور السعودي في طرح المبادرات الهادفة إلى حماية الأمن الإقليمي والدولي، والدعوة إلى تغليب الحوار والدبلوماسية، مع الاستعداد لاتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية الأمن الجماعي والمصالح المشتركة.
وفي هذا الإطار، قادت المملكة عددًا من التحالفات والمبادرات الأمنية والوساطات المهمة، من أبرزها:
التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن (2015)، بهدف دعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا واستعادة مؤسسات الدولة.
اتفاق الرياض بين الأطراف اليمنية.
التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب (2015)، الذي اتخذ من الرياض مقرًا له، ويضم عشرات الدول الإسلامية لتعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والتطرف.
المبادرات الأمنية المتعلقة بحماية البحر الأحمر وباب المندب، في إطار التعاون الإقليمي والدولي للحفاظ على أمن هذا الممر الحيوي.
التحالف البحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة البحرية، الذي أعلنت المملكة قيادته لتعزيز أمن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وصولًا إلى مضيق هرمز، انطلاقًا من مسؤوليتها تجاه استقرار التجارة الدولية وأمن الممرات البحرية.
الوساطة بين الولايات المتحدة وروسيا في ملفات تبادل الأسرى في 8 ديسمبر 2022م.
الوساطة في تبادل الاسري بين روسيا وأوكرانيا في 21 سبتمبر 2022م.
استضافة المحادثات المتعلقة بالأزمة الأوكرانية في يوم يومي 5/6 أغسطس 2023م بمشاركة 40 دولة ومنظمة دولية.
جهود المملكة في إجلاء المدنيين من مناطق النزاعات.
دورها في تعزيز الاستقرار في السودان واليمن ولبنان، والدفع نحو الحلول السياسية.
وتعكس هذه المبادرات دور السياسة السعودية في إيجاد الحلول السلمية وهو إدراكًا سعوديًا بأن السلام والأمن الإقليمي والدولي مسؤولية مشتركة، كما وأن حماية طرق التجارة والطاقة والملاحة البحرية تمثل مصلحة للعالم بأسره، وليس لدول المنطقة وحدها.
واليوم، وفي ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة وتحولات متسارعة، تواصل المملكة انتهاج سياسة تقوم على الحكمة، وضبط النفس، وقراءة المشهد بمنظور استراتيجي، بعيدًا عن ردود الأفعال الآنية التي قد تزيد الأزمات تعقيدًا. وقد أثبتت التجارب أن الحوار المسؤول، والدبلوماسية الهادئة، وبناء التحالفات، هي أدوات أكثر قدرة على تحقيق الأمن والاستقرار من سياسات التصعيد والانفعال.
ولعل ما يميز السياسة السعودية أنها لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تسعى إلى معالجتها من جذورها، عبر المبادرات السياسية، وتعزيز الشراكات، ودعم التنمية، وإيجاد مساحات للتوافق، وهو ما جعل بصمتها حاضرة في العديد من الملفات الإقليمية والدولية.
ومن هنا، يمكن القول وبما لا يدع مجالا للشك إن المملكة العربية السعودية رسخت، عبر عقود من الزمن، نموذجًا سياسيًا يقوم على الحكمة والاتزان، ويوازن بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، وبين حماية المصالح الوطنية والإسهام في تعزيز الأمن والسلم الإقليميين والدوليين. ولهذا لا يزال الدور السعودي يحظى باهتمام وتقدير واسع في كثير من المحافل الدولية، بوصفه دورًا يسعى إلى ترسيخ الاستقرار، وبناء الجسور، وتغليب لغة العقل والحوار في مواجهة الأزمات في عالمٍ تكثر فيه ردود الأفعال، تميزت السياسة السعودية بأنها تصنع الأفعال قبل أن تفرض عليها ردودها.
وأخيرا فإن عنوان السياسة السعودية ( رأي كاتب المقال): «ليست القيادة الحقيقية أن تنتصر في معركة، بل أن تمنع اندلاع عشرات المعارك بحكمة القرار وبعد النظر.
***
- نائب سابق - مجلس النواب البحريني
الأمين العام للمبادرة البرلمانية العربية