صبحي شبانة
في السياسة، كما في التاريخ، هناك لحظات لا تقاس بحجم الانفجار الذي أحدثته، بل بما أحدثته من تحول في قواعد اللعبة، فليست كل رصاصة بداية حرب، وليست كل طائرة مسيرة مجرد حدث أمني عابر، أحيانًا يكون الفعل العسكري رسالة سياسية، وأحيانًا تكون الرسالة أخطر من الفعل نفسه، لأنها تعلن انتقال الصراع من مرحلة إلى أخرى، وإذا صحت المعلومات التي نقلتها صحيفة نيويورك تايمز عن مصدرين إيرانيين، والتي تحدثت عن أن استهداف ميناء دمياط كان يهدف إلى إظهار قدرة إيران على تعطيل حركة الشحن العالمية، فإن الشرق الأوسط يقف أمام معادلة جديدة تختلف جذريًا عما عرفه منذ اندلاع المواجهة الأخيرة، فالفرق كبير بين أن تتأثر دولة ما بتداعيات حرب تدور في جوارها، وبين أن تصبح هي نفسها هدفًا لرسالة عسكرية تتجاوز حدود الاشتباك التقليدي، وهنا تحديدًا تتغير الحسابات، لأن مصر لم تكن طرفًا في الحرب، بل كانت، منذ بدايتها، من أكثر الدول دعوة إلى وقف التصعيد، وإحياء المسار السياسي، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. لقد تحركت القاهرة طوال الأشهر الماضية انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحروب في الشرق الأوسط لا تُنتج منتصرًا حقيقيًا، بل تُغرق المنطقة في دوامة من الخسائر المتراكمة التي تمتد آثارها إلى ما وراء حدود المتحاربين، فتطال أمن الطاقة، وحركة التجارة العالمية، واستقرار الأسواق، وفرص التنمية، ومن هذا الإدراك لم تنظر مصر إلى التهدئة بوصفها خيارًا دبلوماسيًا عابرًا، بل باعتبارها ضرورة استراتيجية تمليها مسؤوليتها الإقليمية، وموقعها الجغرافي، وإيمانها بأن استقرار المنطقة هو الضمانة الحقيقية لمصالح شعوبها، لكن السياسة شأنها شأن العلاقات الإنسانية، تقوم على مبدأ بسيط: لا يمكن أن تستمر الوساطة إذا تحولت أرض الوسيط إلى ساحة للصراع، إن قيمة مصر في النظام الإقليمي لم تكن يومًا نابعة من حجمها فقط، بل من قدرتها على الجمع بين القوة والاتزان، فهي الدولة التي احتفظت بعلاقات مع أطراف متباينة، واستطاعت في أكثر من محطة أن تكون جسرًا للحوار لا طرفًا في المواجهة، غير أن هذه المكانة تفرض أيضًا احترام أمنها القومي وعدم تحويله إلى أداة لإرسال الرسائل أو إدارة الصراعات بالوكالة.
وإذا كان الهدف من استهداف ميناء دمياط على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، كما نقلت الصحيفة عن المصدرين الإيرانيين، هو توجيه رسالة إلى العالم بشأن القدرة على تعطيل الملاحة الدولية، فإن الرسالة لم تعد موجهة إلى القوى الكبرى وحدها، بل إلى مصر نفسها، بوصفها الدولة التي تمر عبرها إحدى أهم شرايين التجارة العالمية، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تستطيع القاهرة أن تستمر في أداء الدور ذاته إذا ثبت أن أمنها الوطني أصبح جزءًا من معادلة الردع المتبادل بين أطراف الصراع؟، الإجابة لا تتعلق برد فعل عاطفي، وإنما بحقائق الجغرافيا السياسية، فالدول تستطيع أن تتحمل الضغوط السياسية، لكنها لا تستطيع أن تتسامح مع المساس بسيادتها أو بسلامة منشآتها الاستراتيجية، وهذه قاعدة لا تخص مصر وحدها، بل تحكم سلوك جميع الدول.
إن موقع مصر ليس مجرد ميزة جغرافية، بل مسؤولية استراتيجية، فقناة السويس ليست ممرًا مائيًا للمصريين وحدهم، وإنما شريان يربط الشرق بالغرب، ويؤثر في الاقتصاد العالمي كله، ومن هنا فإن أي تهديد يطال أمن الموانئ المصرية أو حركة الملاحة في محيطها لا ينعكس على القاهرة وحدها، بل على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، ولهذا، فإن الموقف المصري، إذا ثبتت هذه المعطيات، يجب أن يبقى هادئًا في أسلوبه، لكنه حاسم في مضمونه.
أولًا، ينبغي استكمال التحقيقات بشفافية كاملة، وتقديم نتائجها إلى المجتمع الدولي مدعومة بالأدلة الفنية والقانونية، لأن قوة الموقف السياسي تبدأ من قوة الدليل ، ثانيًا، يتعين اللجوء إلى المؤسسات الدولية المختصة، وفي مقدمتها مجلس الأمن، لتأكيد أن استهداف منشآت مدنية أو موانئ تجارية يمثل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، بصرف النظر عن هوية الفاعل، ثالثًا، ينبغي تعزيز منظومة الدفاع الجوي والإنذار المبكر حول الموانئ والمنشآت الحيوية، فالعالم يدخل عصرًا أصبحت فيه الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة من أبرز أدوات الصراع، ولم يعد مقبولًا أن تظل البنية التحتية الاقتصادية هدفًا سهلًا، ورابعًا، وهو الأهم، أن تواصل مصر تنسيقها الاستراتيجي مع الدول العربية، وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي، لأن أمن البحر الأحمر والخليج العربي وقناة السويس لم يعد ملفات منفصلة، بل حلقات في منظومة أمنية واحدة، وهذا لا يعني الانجرار إلى الحرب، بل يعني امتلاك القدرة على ردعها، فالفارق كبير بين الدعوة إلى السلام من موقع القوة، والدعوة إليه من موقع الضعف، ومصر عبر تاريخها، لم تكن دولة تبحث عن الحروب، لكنها أيضًا لم تكن يومًا دولة تقبل أن يُختبر صبرها على حساب سيادتها.
ومن الخطأ أن يُفهم تمسك القاهرة بالحلول السياسية على أنه تردد أو عجز عن حماية أمنها القومي، فالدول الكبرى لا تقاس بسرعة اندفاعها إلى المواجهة، بل بقدرتها على اختيار اللحظة المناسبة، والوسيلة المناسبة، والرسالة المناسبة، لقد أثبتت التجارب أن التهور قد يحقق مكسبًا تكتيكيًا، لكنه كثيرًا ما يقود إلى خسائر استراتيجية، أما الدولة الواثقة من نفسها، فإنها تعرف كيف تجمع بين الحزم وضبط النفس، وبين الردع والحكمة، وبين الدفاع عن السيادة والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، ويبقى أن مصر، وهي تؤكد دومًا انتماءها العربي ورفضها لأي اعتداء يهدد أمن الخليج، تدرك أن أمنها وأمن أشقائها ليسا مسارين متوازيين، بل حقيقة استراتيجية واحدة، فما يهدد الخليج ينعكس على البحر الأحمر، وما يهدد البحر الأحمر ينعكس على قناة السويس، وما يهدد قناة السويس يمس الاقتصاد العالمي بأسره.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب وضوحًا في الرؤية أكثر من الانفعال في المواقف، فالقاهرة مطالبة اليوم بأن تحافظ على دورها كقوة توازن، ولكن من موقع الدولة التي لا تسمح بأن تتحول أراضيها أو منشآتها إلى ساحة لتبادل الرسائل بين الآخرين، فالدبلوماسية لا تنجح إلا إذا استندت إلى قوة تحميها، والقوة لا تكتمل إلا إذا ضبطتها الحكمة، وبين الحكمة والردع صنعت مصر عبر تاريخها، مكانتها الإقليمية، وستظل قادرة على حماية هذه المكانة ما دامت متمسكة بثوابتها: الدفاع عن سيادتها، وصون أمنها القومي، ودعم أمن الخليج، والعمل من أجل شرق أوسط لا تحكمه الفوضى، بل توازن القوة واحترام القانون الدولي.
قد تكون هذه اللحظة بداية مرحلة جديدة في الإقليم، لكن التاريخ يعلمنا أن الدول الكبرى لا تُعرف فقط بكيفية خوضها للحروب، بل بكيفية منعها، وبكيفية الرد عندما تُفرض عليها، ومصر بما تملكه من ثقل سياسي وجغرافي وحضاري، تملك من أدوات الحكمة بقدر ما تملك من أدوات القوة، وهو ما يجعلها قادرة على الدفاع عن أمنها، دون أن تتخلى عن دورها كإحدى ركائز الاستقرار في الشرق الأوسط.