د. سجى عارف
أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي تمتلك إعلامًا محترفًا قادرا على التوقع والتحليل هي الدول التي تعبر الأزمات بأقل خسائر وأكثر جاهزية. واليوم يقف الإعلام السعودي أمام مسئولية مضاعفة، ليس لأنه يخاطب مجتمعًا واسعًا ومتفاعلًا، بل لأنه جزء من منظومة أمنية تُبنى على الثقة، والشفافية والوعي والتكامل بين المؤسسات الوطنية.
حين ضرب زلزال فوكوشيما اليابان عام 2011، كان الإعلام الياباني نموذجًا من الانضباط، إذ اعتمد على بث المعلومات الرسمية فقط، وامتنع عن نشر صور الضحايا احترامًا للخصوصية.
وفي جائحة كورونا، قدمت كوريا الجنوبية نموذجًا إعلاميًا عالميًا، إذ استخدمت البيانات المفتوحة لتوعية الجمهور، فكانت سرعة الاستجابة الإعلامية جزءًا من نجاحها الصحي.
أما ألمانيا، فقد واجهت أزمة اللاجئين بخطاب إعلامي يوازن بين الإنسانية والأمن، مستندًا إلى تحليل اجتماعي عميق.
هذه النماذج ليست بعيدة عن المملكة، فالوطن قدم لنا نماذج توازي بل تتفوق على هذه النماذج في مختلف المجالات، وهي تدلل على أن الإعلام ليس تابعًا للأزمة بل هو جزء من إدارتها، ويثبت لنا أن العالم رغم تغيراته السريعة أن الإعلام هو من يتصدر خط المواجهة.
لذا يدرك الإعلام السعودي أن مسؤوليته في الأزمات الوطنية لا تحتمل التأجيل، خاصة أن الأزمات في المملكة تتنوع بين أمنية وصحية ومناخية واقتصادية وحتى اجتماعية وكلها تتطلب إعلامًا قادرًا على التعامل مع لحظة الارتباك دون أن يصنع ارتباكًا جديدًا.
في الأزمات الأمنية كالحروب أثبت الإعلام الوطني قدرته على الالتزام بالبيانات الرسمية، ومنع نشر الصور التي قد تُستغل ضد الأمن الوطني، وهي ممارسة تتسق مع أفضل المعايير الدولية، وفي أزمات المناخ والسيول كما حدث مع سيول جدة وعسير وغيرها لعب الإعلام السعودي دورًا مهمًا في توعية السكان بمخاطر الطرق، ونقل جهود الإنقاذ بمهنية.
في حين واجهة الإعلام الوطني الشائعات الطبية وأبرز جاهزية القطاع الصحي، في الجائحات التي مرت على المملكة ليثت أنه جزءً من حماية المجتمع، كما تجلت أهمية الخطاب الإعلامي الهادئ الذي شرح للمجتمع أسباب التغيرات الاقتصادية دون تهويل في مختلف الأزمات الاقتصادية، كما يواجه كل يوم خطاب الكراهية ويعزز الانتماء الوطني كمهمة وطنية اجتماعية لمحاربة الأزمات الاجتماعية والإرهابية.
والصحفي خلال كل هذه الأزمات ليس ناقلًا للخبر بل صانعًا للوعي، حارسًا للثقة، وركنًا أساسيًا في حماية المجتمع، وكي يؤدي دوره بكفاءة يحتاج إلى مهارات التحقق الصارم، ووعي بتأثير الصورة، والتزام بالأخلاقيات المهنية، وتدريب على محاكاة الأزمات، وقدرة على التحليل والتفسير، ويحتاج إلى البعد الإنساني إذ أن قصة واحدة لمواطن تأثر بالأزمة قد تغير وعي مجتمع كامل، وتمنح الرسالة الإعلامية قوة لا توفرها الأرقام وحدها.
ولو نظرنا لبعض المعايير الدولية ندرك أن الإعلام السعودي رغم قوته يحتاج إلى تطوير وحدات الرصد الإعلامي المتخصص في الشائعات، وتعزيز التدريب على الأزمات السيبرانية، وتوحيد بروتوكولات النشر وقت الأزمات، ورفع جاهزية غرف الأخبار للتحليل واستشراف الأزمات، وهذه المتطلبات لا تقلل من الإنجازات بل خطوة نحو إعـلام أكثر جاهزية وتأثير.
الدول التي نجحت في إدارة الأزمات إعلاميًا اعتمدت على نماذج واضحة مثل نظام الإنذار الإعلامي المبكر في سنغافورة، ووحدة الرصد الإعلامي أثناء الكوارث في بريطانيا، والبروتوكول الإعلامي الموحد الذي تطبقه عدة دول، ويمكن للمملكة إنشاء مركز الإعلام الوطني لإدارة الأزمات والتوقعات المجتمعية الذي يضم وحدة الرصد والتحليل، ووحدة الاتصال الوطني، ووحدة التدريب الإعلامي، ووحدة المحتوى المتخصص، ومختبر الإعـلام التوقعي.
الإعلام المهني هو المرجع الوحيد الذي يلتف حوله الناس، ويطمئنون إليه، ويثقون برسائله، وهو قادر على إدارة الأزمات وهذا ليس خيارًا بل ضرورة وطنية لحماية المجتمع ودعم القرار وصناعة خطاب مسؤول يواجه التحديات بحكمة، وهو ليس مرآة للأحداث فقط، بل جزء من صناعة مستقبل وطن يحتاج لنا كما نحتاج له.