نواف بن عبد العزيز آل الشيخ
ليست كل الكلمات تُقال بصوتٍ مسموع، فبعضها يولد على الورق، أو يرحل في رسالة، أو يستقر بين سطورٍ لا تحمل نبرةً ولا ملامح، وما أعجب الكلمة.. قد تخرج من القلب بيضاء، لكنها تصل إلى الطرف الآخر بلونٍ مختلف، لأن لكل إنسان ظروفه، ومشاعره، وطريقته في قراءة المعاني.
في زمنٍ أصبحت فيه الرسائل تُكتب أسرع مما تُفهم، بات كثيرٌ من الخلافات لا يبدأ من سوء النية، بل من سوء التوقيت، وسوء قراءة الكلمات، فالحروف مهما كانت جميلة، لا تملك ملامح تُفسّرها، ولا نبرة صوت تُطمئن من يقرأها، ولا ابتسامةً تُلطّف حدّتها، ولا نظرةً تشرح ما بين السطور.
ولهذا، فإن الكلمة المكتوبة مسؤولية قبل أن تكون وسيلة تواصل، فقد تُكتب بنقاء قصدها، لكنها تُقرأ بغير ما أراده صاحبها، لأن القارئ يفسرها وفق حالته النفسية، وظروفه، وتجاربه، لا وفق نية كاتبها. ومن الحكمة أن ندرك أن اختيار الوقت المناسب للحديث أو للكتابة لا يقل أهمية عن اختيار الكلمات نفسها، فكم من نصيحة قيلت في غير وقتها فرفضت، وكم من اعتذار تأخر فضاع أثره، وكم من رسالة كُتبت في لحظة انفعال، فتركت في القلوب ما لم تكن تقصده.
ولعل أجمل ما يتعلمه الإنسان في رحلة حياته أن الإصغاء ليس صمتاً، بل خُلُقٌ رفيع ومهارة لا يتقنها إلا الحكماء.. فالناس لا تبحث دائماً عمن يجيبها، بقدر ما تبحث عمن يصغي إليها ويفهمها، ومن أطال الاستماع، قلّ خطؤه في الحديث، وأحسن اختيار كلماته، وعرف أن لكل مقامٍ مقالاً، ولكل وقتٍ حديثاً. ولهذا قيل: لن تكون متحدثاً جيداً حتى تتقن فن الإصغاء، فالحكمة كثيراً ما تسكن آذان من يستمع أكثر مما تسكن ألسنة من يتحدث كثيراً.
يقول سمايي بلانتون: «لا شيء يصنع بالإنسان ما تصنعه الكلمة المكتوبة»، وهي عبارة تختصر حقيقةً عظيمة؛ فالكلمات قد تبني جسوراً من المحبة، وقد تهدم أعواماً من الود، وقد تفتح باب أملٍ لإنسان أوشك أن يفقده، وقد تترك في قلبه أثراً لا يمحوه الزمن.
لذلك، قبل أن تُملي كلماتك على الآخرين، أو تجعلها تغادر إليهم، امنحها لحظةً من التأمل، واسأل نفسك: هل هذا هو الوقت المناسب؟ وهل ستصل كما أردتها، أم ستكون ذات معنىً لم يخطر ببالك؟ فإن اطمأن قلبك فاكتب، وإن راودك التردد، فربما كان الانتظار حكمة، وكان الصمت في تلك اللحظة أبلغ بكثيرٍ من الكلام.
فالكلمات قد تغادر أفواهنا أو أقلامنا في لحظات، لكنها قد تبقى في قلوب الناس أعواماً، ولذلك لا يُقاس الإنسان بكثرة ما قال، وإنما بعظمة الأثر الذي تركته كلماته في نفوس الآخرين.