د.شامان حامد
لم يعد أمن الممرات البحرية قضية عسكرية بحتة، بل أصبح أحد أهم محددات استقرار الاقتصاد العالمي. فكل اضطراب في البحر الأحمر أو مضيق باب المندب لا ينعكس على السفن وحدها، وإنما يمتد أثره إلى أسعار النفط والطاقة، وتكاليف النقل، وسلاسل الإمداد، والتضخم العالمي. من هنا جاءت مبادرة المملكة العربية السعودية لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات باعتبارها خطوة استراتيجية تتجاوز الاستجابة للتهديدات الآنية، إلى بناء إطار مؤسسي دائم للأمن البحري الجماعي، ولعل مشاركة 43 دولة قوة واسعة، إلى جانب مندوبية الاتحاد الأوروبي، وهو ما يكشف أن المبادرة السعودية لم تُبنَ على اعتبارات إقليمية ضيقة، بل انطلقت من إدراك دولي بأن أمن الممرات البحرية مسؤولية مشتركة.
فحين تتوافق هذا العدد من الدول على مناقشة ميثاق وتحالف وهيكل قيادة وآليات تشغيل، فإن الرسالة تتجاوز التعاون العسكري إلى تأسيس نموذج جديد للشراكة الدولية في حماية المصالح الاقتصادية العالمية.
وتزداد أهمية هذه المبادرة إذا ما استحضرنا المكانة الحيوية للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يمر نحو 12 % من التجارة العالمية، وما يقارب 30 % من حركة الحاويات الدولية، إضافة إلى ما بين 6 و9 ملايين برميل من النفط يوميًا.
وأي تهديد لهذه الممرات يرفع تكاليف الشحن والتأمين، ويضغط على سلاسل الإمداد، ويغذي موجات التضخم التي تعاني منها الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء، لكن اللافت ايضاً في التحالف أنه لا يقوم على منطق الاستقطاب أو المواجهة، بل على مفهوم الدفاع الجماعي وحماية حرية الملاحة وفق القانون الدولي، مع فتح الباب أمام جميع الدول التي تتشارك أهدافه. كما أن استضافة المملكة للمقر الرئيسي، والقيادة المشتركة، ومراكز العمليات والسيطرة، يمنح الرياض دورًا مؤسسيًا يتجاوز التنسيق إلى قيادة منظومة أمنية بحرية ذات امتداد دولي.
وفي جوهرها، تعكس هذه المبادرة تحولًا نوعيًا في السياسة السعودية؛ فالمملكة لم تعد تكتفي بالتفاعل مع التحولات الدولية، بل أصبحت تبادر إلى صياغتها. إنها انتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن حماية المصالح الوطنية إلى الإسهام في حماية الاقتصاد العالمي. وبهذا ترسخ السعودية مكانتها بوصفها قوة مسؤولة، تدرك أن استقرار البحار ليس مكسبًا إقليميًا فحسب، بل ركيزة لازدهار التجارة والطاقة والسلام الدولي.