فيصل بن أحمد الشميري
تتهاوى النظريات التقليدية يوماً بعد يوم، تلك التي اختزلت مفهوم وتاريخ الجامعات في ضخامة مبانيها وعددها، أو أعداد المُسجلين في زواياها، أو حشود الخريجين، الذين تقذف بهم سنويًا إلى أرصفة الانتظار، او عدد منسوبيها، وتعدد إداراتها وتاريخها العريق، إن تقييم المؤسسات الأكاديمية اليوم لم يعد هوسًا إحصائيًا يُعنى برصد الكمّ؛ بل تحول إلى كشف حساب حضاري دقيق يقيس الأثر، ويزن القيمة، ويسائل المعرفة، ومعايير الجودة والاستدامة، وعن جدواها في مُعترك الحياة وصناعة المستقبل.
فالمؤسسات التعليمية لم تعد جُزرًا معزولة تَبني أمجادها فوق أبراج عاجية، وإحصائيات عقيمة، بل أصبحت مُطالبة بإثبات جدارتها الوجودية عبر الالتحام المُباشر بقضايا الإنسان المعاصر والأرض والمُجتمع والوطن، هذه الفلسفة الحديثة كانت في قلب رؤية المملكة 2030، التي أحدثت ثورة مفاهيمية في منظومة التعليم العالي السعودي، فلم يعد الهدف مُجرد نيل شهادة ومنحها، بل بناء اقتصاد معرفي مُستدام يتخفف من الاعتماد على الموارد النفطية على وجه الخصوص، والاعتماد على الموارد الذاتية، وتتجلى هذه الرؤية عمليًا في التحول التاريخي كمثال «جامعة الملك سعود»، الجامعة الأم، والعديد من الجامعات المحلية؛ التي أعادت صياغة خُططها لتصبح المُحرك المعرفي الأول للتنمية الوطنية، فتصنيفها المُتقدم واقتحامها ضمن أفضل 116 جامعة في العالم، حسب تصنيف شنغهاي (ARWU)، لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج اتساق إستراتيجي صارم مع مُستهدفات حيوية يقودها وعي تنموي شامل تتجاوز المعايير الحديثة، لم تعد الأرقام الجوفاء هي المعيار، بل ترتكز على التغلغل التنموي للجامعة في نسيج مجتمعها المحلي كشريك فعال، فالجامعة المُتميزة هي التي تقرأ احتياجات المُجتمع والشركات والمصانع، لتجعل منها منطلقًا أساسيًا لخططها وإستراتيجيتها، وهنا تبرز الجامعة بنموذج تطبيقي فائق؛ حيث تترجم قيمتها عبر شراكات مُؤسسية مُمتدة تشمل أكثر من مئة شراكة نشطة وتكاملية مع القطاعين العام والخاص، كوزارة الطاقة، ووزارة البيئة والمياه والزراعة، وشركات كبرى كأرامكو السعودية وسابك والمراعي وغيرها، هذا الربط الميداني يحول التعليم والبحث من ترف نظري إلى ذراع لحلّ مشكلات الصناعة وتنمية المجتمع، حيث تنبع القيمة الحقيقية للبحث العلمي بمدى أصالته وارتباطه بالاحتياجات الفعلية للمجتمع السعودي ثم العالمي، بعيدًا عن آفة اجترار الأبحاث، وتكرار الرسائل والأطروحات الميتة، بحثاً عن التمويل ونيل الدرجات، وفي هذا الصدد، قفزت جامعة الملك سعود بإنتاجها المعرفي النقي لتوثق أكثر من 4,290 بحثاً علمياً مُحكماً رصيناً ومنشوراً ومُوجهاً في أحدث إحصائياتها السنوية للعام 2025، المُثير للدهشة ليس بعدد تلك الأبحاث بل نوعيتها؛ إذ تم تصنيف تلك الأبحاث لخدمة أهداف الأمم المتحدة للتنمية المُستدامة بشكل مباشر؛ مُتصدرة ومتميزة بأبحاث؛ المياه النظيفة والنظافة الصحية، تليها أبحاث الصحة، ثم أبحاث مكافحة الجوعوالحياة البرية. هذا التحول يوجه المختبرات والمعامل والكراسي البحثية إلى عقول حية تُجيب عملياً؛ كم مشكلة حقيقية حُلّت هنا؟ لتتحول مخرجات الابتكار إلى قيمة اقتصادية ملموسة، عندما تقترن ببراءات اختراع حقيقية تحمي الفكر وتدر الثروة، ووفقاً لأحدث البيانات الرسمية لمكتب البراءات الأمريكي (USPTO)، حيث حققت جامعة الملك سعود قفزة تاريخية للعام 2025 باحتلالها المركز (31) عالمياً بين الجامعات المُمنوحة لبراءات الاختراع، بتسجيلها (95) براءة اختراع، وعلى الصعيد المحلي سجلت الجامعة من الهيئة السعودية للملكية الفكرية (52) وثيقة، كبراءة اختراع لنفس العام، هذه الأرقام القياسية مدعومة بـثماني ميداليات عالمية في معرض جنيف الدولي للاختراعات، مما يؤكد مدى التزام الجامعة بـأخلاقيات البحث العلمي وحوكمته التي تحارب السرقة والاجترار وبحوث الترف العلمي، وتضمن خضوع التجارب لأرقى معايير النزاهة العلمية والأخلاقية والسلامة المهنية، التي تَمنح الجامعة مصداقيتها الدولية، حيث تتصدر معايير الاستدامة والحفاظ على البيئة الواجهة الأمامية للتقييم، حيث يُنظر للجامعة كنموذج مُصغر للمدينة المُستدامة، من خلال اللجنة الدائمة للاستدامة البيئية والطاقة المتجددة، أطلقت الجامعة مبادرات كبرى مثل نحو عالم نقي، التي تتكامل مباشرة مع مبادرة السعودية الخضراء، لخفض الانبعاثات الكربونية ومكافحة التصحر، محولةً أسوارها إلى حقول تجارب خضراء ومفتوحة تخدم الأثر البيئي المحلي والإقليمي وأمامها الكثير في الاستفادة من أسطح مبانيها في توليد الطاقة الكهربائية النظيفة المُستدامة من أشعة الشمس أو طواحين الهواء، لتوفر جزءًا من احتياجات الطاقة لها، ولمن حولها مُستقبلاً.
تنبثق عالمية الجامعات اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي في قدرتها على بناء جسور عابرة للقارات تمنع الانغلاق المعرفي، وتواكب جميع التقنيات المتجددة، وتصحح جميع المدخلات، تتصدر وتتحمل الجامعات اليوم في عصر الذكاء الاصطناعي خط المُواجهة الأول في زمن التدفق المعرفي الفائق والمختلط، حيث لم يعدُّ دورها مقتصرًا على تلقين المعرفة ونقلها، بل تحولت إلى جهة التعميد والتدقيق للمعرفة نفسها، ولكل ما يفرزه الذكاء الاصطناعي وهلوساته، من علوم ومعطيات وأفكار وأيدولوجيات، فالجامعة اليوم أمام مُعترك حقيقي فهي الفلتر الأخلاقي والعلمي والمعرفي الذي ينفي الزيف، ويدقق في موثوقية المُنتج الرقمي، ويحمي العقل البشري من التضليل التكنولوجي وتحيز البيانات الخوارزمية الصماء، ومن خلال مواكبتها الشرسة لأدوات الثورة الصناعية الرابعة، نجحت مؤسسات كجامعة الملك سعود في تطويع مهارات المستقبل؛ فلم تعد قنوات التقدم مجرد مسارات تقنية معزولة، بل شرايين حية تربط الذكاء الاصطناعي التوليدي برؤية التنمية الوطنية، ليتخرج جيل لا يستهلك التقنية، بل يصنعها، ويقود دفة الابتكار بنزاهة علمية وحكمة إنسانية، وتتويجاً لهذا التوجه، يمتد نطاق تعاون جامعة الملك سعود ليرتبط بأكثر من 150 جامعة ومؤسسة علمية دولية مرموقة، عبر برنامج الشراكة العلمية الدولية (ISPP)، ويشمل هذا التعاون العابر للحدود كبرى المؤسسات الأكاديمية في الولايات المتحدة، وأوروبا، وأستراليا والصين وغيرها، مما أسهم في جعل أكثر من 64 % من نتاجها العلمي نتاج شراكات دولية مُتميزة ترفع مُعدلات الاستشهاد العالمي بأبحاثها، لكي تتكامل هذه المنظومة والتعاون البناء، حين تهدف للوصول إلى صفر بطالة، وتحفيز الشركات الوليدة كهدف وجودي، ومن خلال الذراع الاستثماري للجامعة مُتمثلاً في شركة وادي الرياض وحاضنات الابتكار، وتأهيل وتدريب الموهوبين في السعودية سنوياً، حيث يتم تحويل تلك الأبحاث وبراءات الاختراع إلى شركات مستدامة ترفد السوق المحلي بوظائف نوعية؛ مما يسهم مباشرة في ردم الفجوة الهيكلية والمعرفية وتقليل معدلات البطالة بين الخريجين، ليصبح الطالب صانعاً للوظيفة والمستقبل لا باحثاً عنها، كما تتربع المسؤولية المجتمعية الشاملة هذا التحول الحاسم.
وعموماً الجامعة في مفهومها المُعاصر في عصر الذكاء الاصطناعي ضمن الجيل الرابع، هي الكيان الذي يربط بين نبل المعرفة وواقعية التطبيق، بين ما تقدمه لخدمة مجتمعها ووطنها، فلقد انتهى عصر الجامعة كمانحة للشهادات الورقية، وبدأ عصر الجامعة كمنارة فكر وعمل وتدريب وتأهيل، تقود التغيير، وتصنع الثروة المعرفية وتواكب التقنيات الحديثة والرقمية وتردم الفجوات المعرفية، وتصون الإنسان، وتحمي الأرض التي نقف عليها.
***
- دكتور باحث في كلية علوم الأغذية والزراعة جامعة الملك سعود