سعدون مطلق السوارج
ليست كل الأخبار التي تصل إلى صفحات الصحف أخبارًا عابرة؛ فبعضها يصف يومًا، وبعضها يكشف مرحلة، وبعضها لا تتضح قيمته الحقيقية إلا حين يُقرأ بعد سنوات في سياق المسار الذي صنعته الدولة لنفسها. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن توقيع المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة اتفاقية للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بالتزامن مع استعداد جدة لاستضافة النسخة الثالثة من أولمبياد العلوم النووية الدولي، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه خبرين منفصلين.
فالحدث الأول يتعلق بالتقنية والشراكة والطاقة والاستثمار.
والحدث الثاني يتعلق بالعلم والموهبة والإنسان.
لكن ما بينهما خيط واحد شديد الوضوح: السعودية تبني القدرة التي تحتاجها للمستقبل، وتبني في الوقت نفسه الإنسان الذي سيحمل هذه القدرة إلى الأجيال القادمة.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمشهد. فالاتفاقية السعودية الأميركية تفتح إطارًا لشراكة طويلة الأمد في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، بينما تأتي استضافة جدة للمنافسة العلمية الدولية لتكشف أن المملكة لا تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها منتجًا يُشترى وينتهي الأمر عند وصوله، بل باعتبارها معرفة يجب أن تُفهم وتُوطّن وتُطوّر وتتحول إلى قدرة وطنية. وقد أكدت وزارة الطاقة الأميركية أن الاتفاقية، إلى جانب اتفاق الضمانات الثنائي المصاحب، تؤسس لشراكة تمتد لعقود، فيما تضع المملكة تعاونها النووي ضمن جهود تنويع الطاقة وتطوير التقنيات المتقدمة وتبادل المعرفة والخبرات. وهذه ليست قفزة مفاجئة.
إنها حلقة جديدة في مسار بدأته المملكة منذ سنوات، حين أدركت أن الدول لا تحفظ مكانتها بما تملكه فقط، وإنما بما تستطيع أن تضيفه إلى ما تملكه. ومن هنا تبدأ قراءة الحدث باعتباره أكثر من اتفاقية وأكبر من أولمبياد: إنه فصل جديد في انتقال السعودية من امتلاك مصادر القوة إلى بناء مفاتيح القوة التي ستحتاجها في المستقبل.
من عصر المورد إلى عصر المنظومة
حين كانت المملكة في بدايات نهضتها الحديثة، كان النفط يمثل ثروة طبيعية هائلة تحتاج إلى تحويلها إلى اقتصاد ومؤسسات وبنية تحتية. ومع مرور العقود، لم تعد قصة السعودية قصة اكتشاف مورد، بل قصة بناء دولة حول هذا المورد؛ دولة صنعت من الطاقة اقتصادًا، ومن الاقتصاد نفوذًا، ومن النفوذ حضورًا عالميًا.
لكن الدول التي تنظر إلى المستقبل لا تتوقف عند النجاح الذي حققته. وهذا ما يفسر أحد أهم التحولات التي جاءت بها رؤية السعودية 2030. فالمملكة لم تتعامل مع التحول العالمي في الطاقة باعتباره تهديدًا لما صنعته خلال عقود، بل باعتباره فرصة لإضافة مصادر جديدة للقوة إلى قوتها القائمة. ولهذا توسعت منظومة الطاقة السعودية لتشمل الطاقة المتجددة والهيدروجين والتقنيات الناشئة والطاقة النووية، مع استمرار الاستثمار في النفط والغاز والحفاظ على مكانة المملكة بوصفها موردًا موثوقًا للطاقة عالميًا.
وهنا تتضح الفكرة التي ينبغي أن تُقرأ من خلالها الاتفاقية النووية السعودية الأميركية: السعودية لا تستبدل قوتها؛ إنها تضيف إليها. فالنفط لم يعد نهاية القصة، وإنما أصبح أحد مصادر التمويل والقوة التي تساعد المملكة على بناء صناعات وتقنيات ومعارف جديدة.
والطاقة النووية لا تأتي لتلغي النفط، وإنما لتوسع الخيارات أمام الاقتصاد السعودي، وتدعم تنويع مزيج الطاقة، وتفتح أبوابًا جديدة أمام البحث العلمي والصناعة والاستثمار، وتتيح استخدام الموارد الهيدروكربونية بكفاءة أعلى عبر توجيهها إلى مجالات ذات قيمة مضافة أكبر.
وهذه ليست قراءة نظرية فقط؛ فمدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة توضح أن المشروع الوطني للطاقة الذرية يستهدف إدخال الطاقة الذرية في مزيج الطاقة الوطني، وتنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الهيدروكربوني في إنتاج الطاقة، بما يعظم الاستفادة من الموارد النفطية عبر الزمن، إلى جانب إنتاج الكهرباء والطاقة الحرارية والمساهمة في تحلية المياه.
إنها فلسفة مختلفة في إدارة الثروة: أن تستخدم الدولة قوة الحاضر لصناعة قدرة المستقبل. وهذا هو أحد أكثر المعاني عمقًا في رؤية 2030.
اتفاقية اليوم.. ثمرة مسار لم يبدأ اليوم
في 22 يوليو 2026، وقّعت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة اتفاقية للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ووقّعها وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت.
وبحسب وزارة الطاقة الأميركية، فإن الاتفاقية تفتح إطارًا قانونيًا لشراكة نووية سلمية طويلة الأمد، وتتيح فرصًا واسعة أمام التعاون في التكنولوجيا النووية المدنية والاستثمار وسلاسل الإمداد، وتدعم المصالح الاقتصادية والإستراتيجية المشتركة.
لكن أهمية اللحظة لا تكمن في توقيعها فقط. فالسعودية بدأت منذ سنوات في بناء المؤسسات التي تجعل من الطاقة النووية مشروعًا وطنيًا متكاملًا.
تأسست مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة في عام 2010، وتطورت بعدها المنظومة التنظيمية والعلمية والتدريبية، وأصبح المشروع الوطني للطاقة الذرية جزءًا من الرؤية الأوسع لتنويع مصادر الطاقة وتطوير القدرات الوطنية.
وفي هذا المشروع، لا تتحدث المملكة عن محطة كهرباء منفردة، وإنما عن منظومة تتضمن محطة نووية كبيرة، ومفاعلات صغيرة، ومكونات مرتبطة بدورة الوقود النووي، وبنية تنظيمية ورقابية، إلى جانب تطوير القدرات البشرية والصناعة المحلية.
وهذه نقطة جوهرية في قراءة الأحداث. فالمؤرخ حين ينظر إلى لحظة تأسيس مؤسسة، لا يقيس قيمتها بما أنتجته في يومها الأول، بل بما يمكن أن تكشفه بعد عقد أو عقدين.
ومن هذه الزاوية، فإن ما نشهده اليوم ليس بداية القصة.
إنه ظهور فصل جديد من قصة بدأت مؤسساتها قبل أن تصل أخبارها إلى عناوين الصحف.
وهنا تكمن قوة التخطيط السعودي طويل المدى. فالمملكة لم تنتظر أن يصبح الطلب على الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة واقعًا ضاغطًا حتى تبدأ التفكير فيه، بل شرعت في بناء منظومتها مبكرًا، لتصل إلى المرحلة الراهنة وهي تملك مؤسسات وخبرات ومسارًا وطنيًا وشراكات دولية يمكن أن تتراكم فوقها الخطوات المقبلة.
لماذا تحتاج دولة نفطية إلى الطاقة النووية؟
قد يبدو السؤال لأول وهلة غريبًا: لماذا تحتاج السعودية، التي تملك موارد نفطية وغازية هائلة، إلى الطاقة النووية؟
لكن السؤال نفسه يتغير حين ننظر إلى مستقبل الدول لا إلى احتياجات يوم واحد. فالدولة الكبرى لا تبحث عن مصدر واحد للطاقة، مهما كانت قوة هذا المصدر. إنها تبني مزيجًا متنوعًا يتيح لها إدارة احتياجاتها بكفاءة، ويحافظ على مواردها الإستراتيجية، ويمنح اقتصادها قدرة أكبر على الحركة أمام تغيرات الأسواق والتقنيات. والطاقة النووية هنا ليست منافسًا للنفط. بل يمكن أن تكون وسيلة لتعظيم قيمة النفط. فكلما تنوعت مصادر إنتاج الكهرباء والطاقة، أصبح بالإمكان توجيه جزء أكبر من الموارد الهيدروكربونية إلى مجالات التصدير والصناعة والبتروكيماويات والاستخدامات ذات القيمة المضافة. وبذلك تتحول عملية التنويع من مجرد بحث عن بديل إلى إستراتيجية لتعظيم قيمة الأصل الذي تمتلكه المملكة أصلًا.
وهذه إحدى أكثر النقاط التي تميز التجربة السعودية. فالمملكة لا تتعامل مع مواردها كما لو أنها في مواجهة بعضها بعضًا. إنها تبني بينها علاقة تكامل. النفط يخدم الصناعة. والطاقة المتجددة توسع مزيج الطاقة. والنووي يضيف مصدرًا جديدًا مستقرًا. والصناعة تخلق طلبًا على التقنية. والتقنية تحتاج إلى الإنسان. والإنسان يحتاج إلى التعليم والموهبة. وهكذا يتحول التنويع من قائمة قطاعات إلى منظومة قوة متكاملة.
الإنسان.. الحلقة التي لا يمكن استيرادها
وهنا نصل إلى الجزء الذي يجعل أولمبياد العلوم النووية الدولي في جدة أكثر أهمية مما قد يبدو في الخبر الأول. فالمنشآت يمكن بناؤها. والتقنيات يمكن نقلها. والمعدات يمكن استيرادها. لكن العقل الذي يفهم التقنية ويطورها ويحمي استدامتها لا يمكن استيراده إلى الأبد. وهذه الحقيقة تبدو واضحة في المسار السعودي. فالمشروع الوطني للطاقة الذرية نفسه يربط بين الطاقة النووية وتوطين التقنية وبناء القدرات البشرية وتعزيز المحتوى المحلي، كما أن المدينة تعمل على تطوير كيانات قادرة على الاستثمار في الأصول النووية وبناء القدرات البشرية في هذه الصناعة.
هذه الرؤية تكاد تشرح وحدها لماذا يأتي أولمبياد العلوم النووية في جدة في هذا التوقيت.
فالطاقة النووية ليست مشروعًا لعشر سنوات فقط. إنها صناعة تحتاج إلى أجيال من العلماء والمهندسين والخبراء. ولهذا فإن الاستثمار في طالب اليوم هو في الحقيقة استثمار في منشأة وصناعة واقتصاد بعد عشرين عامًا. المفاعل قد ينتج الطاقة، لكن الإنسان هو الذي ينتج القدرة على استمرارها.
جدة.. حين تستقبل المملكة العالم بعقول المستقبل من 2 إلى 9 أغسطس 2026، تستضيف مدينة جدة النسخة الثالثة من أولمبياد العلوم النووية الدولي، بمشاركة دولية واسعة، وتنظم فعالياته وزارة التعليم بالشراكة مع مؤسسة الملك عبدالعزيز ورجاله للموهبة والإبداع «موهبة» ومدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، وتستضيفه جامعة الملك عبدالعزيز. وقد صدرت الموافقة السامية على استضافة المملكة لهذه النسخة، في خطوة تعكس اتساع حضورها في المنافسات العلمية الدولية.
وقد أظهرت البيانات السعودية أن النسخة التي تستضيفها جدة تجمع 19 دولة ونحو 120 طالبًا ومختصًا علميًا، في فعالية تركز على العلوم النووية وتطبيقاتها السلمية، وتستهدف تعزيز التعاون العلمي وإعداد الكفاءات الوطنية في المجالات المتقدمة.
لكن الدلالة تتجاوز الرقم. فالمملكة التي كانت تشارك في منافسات العلوم العالمية أصبحت تستضيف العالم على أرضها. والتي كانت ترسل أبناءها للمنافسة في المحافل الدولية، أصبحت تفتح جامعاتها لاستقبال طلاب العالم. وهذا ليس تحولًا في المكان فقط. إنه تحول في المكانة.
لقد شاركت السعودية في النسختين السابقتين من أولمبياد العلوم النووية، في الفلبين عام 2024 وماليزيا عام 2025، وحققت خلال مشاركتيها خمس جوائز دولية، بينها ميدالية فضية وثلاث ميداليات برونزية، وفق ما أعلنته الجهات السعودية. كما واصلت «موهبة» تطوير برامج تدريب مكثفة للطلبة المرشحين للأولمبيادات الدولية، ومنها العلوم النووية.
ثم جاءت الاستضافة.
وهذه السلسلة تستحق أن تُقرأ كما هي: مشاركة، ثم منافسة، ثم إنجاز، ثم استضافة. هكذا تُبنى المكانة العلمية. لا بقرار واحد، ولا بحملة إعلامية، وإنما بتراكم حقيقي من التدريب والإنجاز والثقة الدولية والقدرة المؤسسية.
أولمبياد جدة ليس فعالية.. بل إعلان عن بيئة علمية
إن اختيار جدة لاستضافة هذه المنافسة العالمية يحمل دلالة أخرى. فالمملكة لم تعد تستضيف الفعاليات الرياضية والترفيهية والثقافية الكبرى فقط، بل توسع حضورها في استضافة المنافسات العلمية المتخصصة. وتشير التجربة السعودية إلى سجل متنامٍ في استضافة الأولمبيادات العلمية الدولية، بعد استضافة أولمبياد الكيمياء الدولي في الرياض عام 2024 وأولمبياد الفيزياء الآسيوي عام 2025، إلى جانب برامج متواصلة لتأهيل الطلبة السعوديين في الرياضيات والعلوم والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي والعلوم النووية.
هذا التتابع لا يبدو مصادفة. إنه يعكس بناء بنية تحتية معرفية ومؤسسية تجعل المملكة بيئة قادرة على استقبال كبار الموهوبين والعلماء والباحثين.
ومن هنا تصبح جدة أكثر من مدينة مستضيفة. إنها جزء من خريطة المعرفة الجديدة التي تتشكل في المملكة. وإذا كانت المدن في الماضي تُعرف بالموانئ والأسواق والطرق، فإن مدن المستقبل ستُعرف أيضًا بالجامعات والمختبرات ومراكز الأبحاث والقدرة على جذب العقول. وهذا أحد أعمق التحولات التي تصنعها السعودية اليوم.
من استيراد التقنية إلى توطين المعرفة
إن الشراكة مع الولايات المتحدة في المجال النووي لا ينبغي أن تُقرأ فقط باعتبارها وصولًا إلى تقنيات متقدمة. القيمة الأكبر تكمن فيما يمكن أن يتولد حول هذه الشراكة من معرفة وتدريب واستثمار وصناعة وسلاسل إمداد. وهنا تلتقي الاتفاقية مع مستهدفات رؤية 2030 في توطين الصناعات وتعظيم المحتوى المحلي وبناء القدرات البشرية. فالدولة التي تستورد التكنولوجيا تبقى محتاجة إلى الخارج كلما تغيرت التقنية.
أما الدولة التي تتعلم التكنولوجيا، وتؤهل أبناءها، وتربط الجامعات بالصناعة، وتبني البحث والتطوير، وتطور الشركات المحلية، فإنها تنتقل تدريجيًا من موقع المستخدم إلى موقع الشريك.
ولهذا فإن الهدف الأعمق ليس امتلاك التكنولوجيا فقط. الهدف أن تصبح المعرفة نفسها جزءًا من الاقتصاد السعودي. وهذا ما يظهر في المشروع الوطني للطاقة الذرية من خلال التركيز على المحتوى المحلي وتوطين التقنية وبناء القدرات البشرية، بل وتطوير مكونات مرتبطة بدورة الوقود النووي وتعزيز الدراية الفنية الوطنية.
فالعالم لا يتنافس اليوم على النفط وحده، ولا على الطاقة وحدها. إنه يتنافس على من يملك المعرفة التي تصنع الطاقة والصناعة والطب والتقنيات المتقدمة. والسعودية تدرك أن القيمة الحقيقية في العقود القادمة ستكون للدولة التي تجمع بين رأس المال والموارد والإنسان والتقنية.
***
- باحث في التراث الكويتي والخليجي