د. عيسى محمد العميري
لعله من المهم أن نستذكر في كل عام مناسبة الغزو العراقي الغاشم على بلدنا الحبيب في تسعينات القرن الماضي. فهي ذكرى تستحضر حجم المعاناة التي عاشها أبناء الكويت خلال فترة الاحتلال، وما تعرضوا له من انتهاكات وممارسات قاسية، لكنها في الوقت ذاته تجسد أروع صور الصمود والتلاحم الوطني والوفاء للوطن وقيادته الشرعية.
لقد عانى المواطنون الكويتيون خلال تلك الفترة من ظروف استثنائية، تمثلت في فقدان الأمن والاستقرار، وتوقف مظاهر الحياة الطبيعية، وتهجير الأسر، واعتقال الكثير من الأبرياء، إضافة إلى استشهاد عدد من أبناء الكويت الذين ضحوا بأرواحهم دفاعًا عن وطنهم وكرامته.
كما تحملت الأسر الكويتية أعباءً كبيرة في سبيل الحفاظ على تماسك المجتمع، وأثبت الجميع أن حب الوطن أقوى من كل المحن. ورغم قسوة تلك المرحلة، فإنها أظهرت معدن الشعب الكويتي الأصيل، حيث تجلت أسمى معاني الوحدة الوطنية، وتكاتف المواطنون والمقيمون في مواجهة الاحتلال، كما وقفت الدول الشقيقة والصديقة إلى جانب الكويت حتى استعادت سيادتها واستقلالها. وأصبح هذا الموقف التاريخي شاهدًا على أهمية التضامن الإقليمي والدولي في مواجهة الاعتداءات التي تهدد أمن الدول واستقرارها.
إن استذكار هذه الذكرى لا يهدف إلى استحضار آلام الماضي فحسب، وإنما إلى استخلاص الدروس والعبر التي ينبغي أن تبقى حاضرة في وجدان الأجيال. فالحفاظ على أمن الوطن واستقراره يتطلب تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ قيم الولاء والانتماء، والالتفاف حول القيادة، والعمل بروح الفريق الواحد في مواجهة مختلف التحديات.
وفي ظل ما تشهده منطقة الخليج العربي من تطورات ومتغيرات متسارعة، تزداد الحاجة إلى استلهام دروس الماضي، وتعزيز الوعي الوطني بأهمية التكاتف والتعاون بين أبناء المجتمع. فالأمن مسؤولية مشتركة، وحماية الوطن لا تقتصر على المؤسسات العسكرية والأمنية وحدها، بل تشمل كل مواطن ومقيم يسهم في المحافظة على استقرار البلاد واحترام قوانينها وتعزيز تماسكها. كما أن المرحلة الراهنة تؤكد أهمية استمرار التعاون بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتنسيق الجهود لمواجهة المخاطر المشتركة، بما يحفظ أمن المنطقة ويعزز استقرارها ويدعم مسيرة التنمية والازدهار لشعوبها.
وفي هذه الذكرى الوطنية، يستذكر الكويتيون بكل فخر تضحيات الشهداء والأسرى والمفقودين، ويترحمون على من قدموا أرواحهم دفاعًا عن الكويت، مؤكدين أن تلك التضحيات ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة. وستبقى الكويت، بإذن الله، قوية بوحدة شعبها، ووفاء أبنائها، والتفافهم حول قيادتهم، مستلهمة من دروس الماضي عزيمةً متجددة لبناء مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا، وليظل الوطن عزيزًا منيعًا في مواجهة كل التحديات. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
***
- كاتب كويتي