عبدالعزيز صالح الصالح
الحديث عن هؤلاء الرِّجال الأفذاذ أصحاب العقول النيرة الَّذين اختارهم رب العباد أن يكونوا أصحاب دعوة ورسالة نبوية عظيمة مكتملة الشروط والأركان والواجبات حتَّى يحققوا أوامر الحق تبارك وتعالى بقلوب لا تهتز ولا تترنح ولا تتذبذب فهدفهم السامي هو مرضاه الباري عزَّ وجلَّ.
لقد ظل رجال العزم والإرادة صامدين وثابتين حيال تلك الجموع المصابة بالطيش والهوان والغرور والأنانية والحقد والحسد والكره والغضب.. فإن تلك الجموع اعتبرت شجاعتها ومروءتها تحت سقف الضلال والسفاهة فقد خوَّفتهم بالطرد من منازلهم وديارهم وهدَّدت أتباعهم بقطع أرجلهم وأيديهم واستخفت بهم واساءت الظَّنَّ وبمواقفهم النبوية وهوَّنت من شانهم بقولهم) {إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا} (سوُرة إبراهيم آية (10). ولكن هؤلاء ردوا عليهم بقول الله عزَّ وجلَّ:- {يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُون} (سوُرة يونس آية (71).
سنقف ملياً مع أولى العزم من الأنبياء امثال - نوح عليه السَّلام وهود عليه السَّلام وصالح عليه السَّلام وغيرهم من الأنبياء الكرام.. وعندما وصل الأمر إلى حد لا يطاق توجهوا إلى الباري عزَّ وجلَّ بكل كيانهم وقالوا:- {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (سوُرة الممتحنة آية (4-5).
فهؤلاء العظام أبطال القلوب الَّذين يتحلون بإرادة صلبة وقوية ومواقف حكيمة، فقد حافظوا جميعاً على مقاصد بعينها وساروا على خطى واضحة والتزموا بقيِّماً بعينها حيث إن الدعوة تظهر جلياً في رسالاتهم فهي إنقاذ الأمَّة من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان، وذلك عن طريق دعم الأرواح لتصغي القلوب إلى طريق الحق حتَّى تزول الشبهات والشكوك من الأذهان وتنتشر الأنوار على وجه الوجود كلوحة فنِّيَّة بارعة ثم تترجم حسب أفق إدراك العصر، مِّمَّا جعل هذه المسيرة الفانية مدرجاً إلى العوالم الباقية وجسراً إليها ومزرعة لها وسُوقاً لشرائها، يقول الحق تبارك وتعالى:- {آلر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (سوُرة إبراهيم آية (1).
ونتعرف بإطار من الأطر على رسالة النبوة ودورها العظيم - وليس نبي الأمَّة المحمدية مُحمَّد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وحيداً في هذا الأمر العظيم. فهي رسالة الأنبياء جميعاً من لدن أبينا آدم عليه السَّلام إلى النَّبيِّ موسى عليه السَّلام ومنه إلى النَّبيِّ عيسى عليه السَّلام ويربط القرآن الكريم الأمر في السُّورة نفسها بالنبي موسى عليه السَّلام قائلاً :- {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} سوُرة إبراهيم آية (5).
فهؤلاء أولى العزم بشر من أمثالنا.. لكنهم بشر يختلفون ويتميزون عن غيرهم من البشر في قوَّة عزمهم وإيمانهم، وحدة استقامتهم وعلو أمانتهم، وغاية شعورهم بهذه الرِّسالة وشدَّة حرصهم على رضا الحق تبارك وتعالى وثبات مواقفهم، وإرادتهم حيال المعاصي، وولعهم بدعوة النَّاس إلى الصراط المستقيم حيث إنهم لا يعرفون الكلَّ أو المللَّ كما أنهم يدعون الأوامر الشرعية بكل دقَّة واهتمام وبأعظم عناية فهذه وقفة أولى العزم.