فائز بن سلمان الحمدي
الأمن نعمةٌ يجهل الناس جلالها ما دامت تفيض عليهم، فإذا اعتراها أدنى اضطرابٍ أيقنوا أن وراء سكينتهم رجالًا بذلوا أعمارهم ليبقى الوطن مطمئنًّا، وأقاموا من يقظتهم حصنًا لا ينام. يا حُرَّاسَ الثُّغور، ويا مَن اصطفاكم الله حُرَّاسًا لبيضةِ الدين، وحُمَاةً لحِياضِ الوطن، وأُمناءَ على منافذِ العِزِّ، فأقمتم من صدوركم دون الديار سورًا لا يُنقَض، ومن عزائمكم دون الأعداء سدًّا لا يُثلَم. سلامٌ عليكم يومَ نَفَرَت بكم الهممُ إلى معاقلِ الواجب، وآثرتُم وعثاءَ المراصد على دَعَةِ المضاجع، واستبدلتم صليلَ السلاح بهمسةِ المنام، فغدوتم للبلاد عيونًا لا تغفو، وللأمة أركانًا لا تتداعى، وللأمن عمادًا إذا اضطربت الحوادث اشتدَّ وثاقُه، وإذا تلاطمت الخطوب ازداد رسوخًا وإبرامًا.
أنتم حُرَّاسُ النعمة التي تخفى جلالتُها على الخلق ما دامت مستفيضةً عليهم، فإذا اعتراها أدنى اختلالٍ علموا أن وراء طمأنينتهم رجالًا نذروا أعمارهم لله، ثم لأوطانهم، وجعلوا أرواحهم فداءً لحرمة البلاد، فلا يبتغون إلا رضوان الله، ولا يلتفتون إلى ثناء الناس أو انصرافهم. تبيتون على صهوة العزم، لا على وثير الفُرُش، وتتوسدون اليقين، وتلتحفون السماء، وقد اتخذتم من الصبر زادًا، ومن الإيمان عُدَّة، ومن التقوى أنيسًا، فلا تستفزكم نازلة، ولا تُوهِن منكم قارعة، لأن الأرواح إذا استضاءت بأنوار اليقين، استهانت بما يلقى الجسد من النَّصَب والعناء. وما أنتم بحُرَّاس حدودٍ تُرسَم على الخرائط، وإنما أنتم حُرَّاسُ عقيدةٍ تُصان، وحرمةٍ تُذبُّ عنها، وأمةٍ يُراد لها البقاء بعزتها، وأنتم الأمناء على ميراثٍ شاده الآباء بدمائهم، واستودعوه أبناءهم أمانةً لا يليق بها إلا الوفاء. فما من موطئ قدمٍ لكم على الثغور إلا وهو شاهدٌ لكم عند الله، وما من ليلةٍ أسهرتم فيها أعينكم إلا أشرقت لكم بها في صحائف الخلود منازلُ لا يدركها إلا أهل الصدق والرباط. وهل تُشيَّد الدولُ بارتفاع البنيان، أو تُصانُ الأوطانُ بكثرة العُمران؟ كلا؛ وإنما تقوم على رجالٍ إذا عاهدوا صدقوا، وإذا حُمِّلوا الأمانة نهضوا بها غير واهنين، وإذا استُصرخ الحق لبَّوه غير متثاقلين، فكانوا للسلم هيبةً، وللحرب بأسًا، وللشدائد جبالًا لا تزحزحها الأعاصير. كم من رضيعٍ هانئٍ برضاعه لأن على الثغر عينًا لا تنام، وكم من شيخٍ قريرِ العين لأن في الميدان رجالًا أقسموا ألا يؤتى الوطن من قِبَلهم، وكم من أمٍّ رفعت أكفَّها في جوف الليل، لا تعرف أسماءكم، ولكنها تعرف أن لله عبادًا إذا استُحفِظوا على الأمانة لم يخونوها، وإذا استُودِعوا الثغور لم يفرطوا فيها.
وإن هذه البلاد المباركة لم تبلغ ما بلغت من المنعة والطمأنينة إلا بعد فضل الله بقيادةٍ جعلت الدين إمامَ سياستها، والعدلَ قوامَ سلطانها، والأمنَ أساسَ عمرانها، فالتقت حكمةُ القيادة ببسالةِ الجند، واجتمع حسنُ التدبير بصدقِ التضحية، فاستقامت للدولة أركانها، ورسخت هيبتها، وأينعت ثمارُ نهضتها.
فحفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وأدام عليه وافرَ العافية، وأسبغ عليه نعمةَ التوفيق، وجزاه عن الإسلام والمسلمين، وعن الحرمين الشريفين، وعن هذه البلاد المباركة خيرَ الجزاء. ووفَّق الله صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وأيَّده بروحٍ من عنده، وسدَّد مساعيه، وأعلى به راية الوطن، وجعل ما يقوده من مسيرة البناء والتمكين ذخرًا للإسلام، وعزًّا للعرب، ومجدًا للمملكة، وأدام على هذه البلاد أمنها، ووحدتها، وعزتها، وسيادتها. فطوبى لكم يا أهل الرباط؛ فإنكم وإن خفيت أسماؤكم في صحائف البشر، فهي عند الله مكتوبةٌ في ديوان الصادقين، وإن سكتت عنكم الألسنة، فإن أعمالكم تنطق في موازين الخلود، وإن غابت وجوهكم عن الأبصار، فإن آثاركم باقيةٌ ما بقي في هذه الأرض أمنٌ يُستظلُّ به، وحقٌّ يُنافح عنه، ورايةُ توحيدٍ تخفق فوق ذُرى المجد.