مرفت بخاري
ليست كل عودة مجرد رجوع إلى المكان، فثمة عودة تختصر سنوات من الغياب، وتوقظ ذاكرة جمهور لم ينسَ صوتًا أحبّه، وتعيد إلى الواجهة حكاية فنان ظل حاضرًا في الوجدان رغم ابتعاده عن خشبة المسرح. هكذا جاءت عودة الفنان اللبناني فضل شاكر إلى المسارح السعودية، من الرياض إلى الخبر، محمّلة بالشوق والاحتفاء، لتفتح أمامنا مساحة أوسع من الحديث عن فنان عاد إلى جمهوره، إلى الحديث عن وطن يعرف كيف يحتضن الإبداع العربي، ويمنحه مساحة للقاء والتجدد.
في الرياض، لم تكن الحكاية مجرد حفل غنائي، بل لقاءٌ بين صوت غاب طويلًا وجمهور احتفظ بأغنياته في ذاكرته، حتى بدا الغياب وكأنه لم يستطع انتزاع ذلك الصوت من قلوب محبيه. ثم انتقلت الحكاية إلى الخبر، لتعيش المنطقة الشرقية بدورها مشهدًا من مشاهد الاحتفاء، وتؤكد أن الفن حين يجد من يحتضنه يستطيع أن يعبر المسافات، ويعيد وصل ما انقطع بين الفنان وجمهوره.
ولعل ما يستحق التأمل في هذه العودة ليس حجم الحضور وحده، ولا نفاد التذاكر، ولا مشاهد التصفيق التي رافقت اللقاء، وإنما ما وراء ذلك كله من قدرة الفن على ملامسة وجدان الناس. فالأغنية التي أحببناها في مرحلة من حياتنا لا تبقى مجرد لحن وكلمات، بل تتحول إلى جزء من حكاياتنا الشخصية، نستعيد معها وجوهًا وأماكن وأيامًا ظننا أنها مضت، فإذا بصوت واحد يعيدها إلينا وكأنها حدثت بالأمس.
وكان للمشهد لحظته العاطفية الخاصة حين اجتمعت الفنانة نوال مع فضل شاكر على المسرح لأداء أغنية «أحاول»، ثم خاطبته بلقب اختصر علاقته بجمهوره، قائلة له: «صوت العشاق». لم تكن العبارة مجاملة فنية عابرة بقدر ما بدت شهادة على مكانة صوت ارتبط بقصص الحب والحنين والذكريات. فبعض الأصوات لا تسكن الأذن وحدها، بل تستقر في ذاكرة الناس، وترافق حكاياتهم وانكساراتهم، حتى حين يغيب أصحابها عن المسارح.
وهنا تتجاوز اللحظة حدود الأغنية، لتصبح لقاءً بين فنانين عربيين وجمهور يحمل ذاكرة مشتركة، في مشهد يؤكد أن الفن مساحة للتلاقي، وأن الاحتفاء بالمبدع يمنح الجمهور أيضًا فرصة لاستعادة ما أحب، ويمنح الذاكرة العربية لحظات جديدة تستحق أن تُروى.
وإذا كانت عودة فضل شاكر قد أعادت إلى جمهوره شيئًا من تلك الذاكرة، فإن المملكة العربية السعودية قدّمت من خلال استضافته صورة من صور الحراك الثقافي الذي تعيشه، حيث لم تعد الفعاليات الفنية مجرد مناسبات عابرة، بل منصات تلتقي فيها الثقافات العربية، وتتجاور فيها التجارب، وتُمنح المواهب فرصًا جديدة للوصول إلى جمهور واسع. فالدول التي تستثمر في الثقافة والفنون لا تستضيف الأصوات فحسب، بل تسهم في صناعة المشهد الذي تعيش فيه تلك الأصوات، وتجدد حضورها من خلاله.
ولأن المملكة ليست غريبة عن احتضان المبدعين العرب، فإن هذا الحراك يأتي امتدادًا لدور ثقافي يتجاوز حدود الحفلات إلى صناعة فرص اللقاء بين المبدع والمتلقي، وتحويل المدن السعودية إلى وجهات تستقطب الفن والأدب والموسيقى، وتفتح أبوابها أمام تجارب عربية متعددة. فالرياض والخبر وغيرهما من مدن المملكة لم تعد مجرد محطات في جداول الفنانين، بل مساحات نابضة بالحياة، يلتقي فيها الجمهور بالفن الذي يحب، ويلتقي فيها المبدعون بفرص جديدة لاستعادة حضورهم وتوسيع دائرة تأثيرهم.
وهنا أجدني أتساءل، كم من موهبة عربية تستحق أن تعود إلى الضوء، وكم من تجربة فنية تحتاج إلى منصة تمنحها فرصة اللقاء بجمهورها من جديد؟ إن احتضان المبدع لا يعني أن تكون رحلته خالية من التعقيدات، ولا أن يتحول الاحتفاء بفنه إلى حكم على كل تفاصيل حياته، وإنما يعني أن نتعامل مع الفن بوصفه مجالًا ثقافيًا له قيمته، وأن نمنح التجارب الإبداعية فرصتها في إطار من المسؤولية والأنظمة، دون أن نختزل الإنسان في لحظة واحدة من تاريخه.
وهذا التفريق مهم، لأن الثقافة الحقيقية لا تقوم على المبالغة في تمجيد الأشخاص، ولا على إلغاء الأسئلة تجاه تجاربهم، بل على القدرة على تقدير القيمة الفنية وفهم أثرها في الجمهور، وترك المسائل الأخرى لمجالاتها وأحكامها. فالفن يستحق أن يُقرأ في سياقه، والمواقف الإنسانية تستحق أن تُفهم بوعي، والاحتفاء المسؤول هو الذي يجمع بين تقدير الإبداع واحترام الحقيقة.
ولعل أجمل ما في هذا المشهد أن العودة لم تكن حكاية فردية فحسب، بل مناسبة كشفت عن قوة العلاقة بين الصوت وذاكرة الناس، وعن أهمية وجود منصات قادرة على تحويل الانتظار إلى لقاء، والحنين إلى تجربة حية. وهذه هي المساحة التي تستطيع المملكة أن تواصل من خلالها تقديم نموذج ثقافي عربي يفتح أبوابه للمواهب، ويمنحها فرصًا جديدة، ويجعل من الفن لغة مشتركة لا تحتاج إلى ترجمة كي تصل إلى القلوب.
إننا حين نحتفي بعودة فنان عربي إلى المسرح السعودي، فإننا نحتفي أيضًا بفكرة أوسع، فكرة أن الإبداع لا يعرف حدودًا جغرافية ضيقة، وأن الثقافة العربية، على اختلاف بلدانها وتجاربها، تملك من المشتركات ما يجعل لقاءها ضرورة لا ترفًا. فالأصوات التي أحبها الجمهور في بيروت والقاهرة ودمشق وغيرها من المدن العربية، تستطيع أن تجد في الرياض والخبر جمهورًا يشاركها الذاكرة نفسها، ويتفاعل معها بالمشاعر ذاتها، وكأن الفن يذكّرنا دائمًا بأن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا.
ولأن الأوطان لا تُقاس فقط بما تبنيه من عمران، بل بما تتيحه من فرص، وما تصنعه من حضور، وما تمنحه للثقافة من مساحة، فإن المملكة العربية السعودية تكتب فصولًا متجددة في علاقتها بالمشهد الفني العربي، مستندة إلى حراك يزداد اتساعًا، وجمهور متنوع، ومدن أصبحت قادرة على استضافة أحداث تستقطب الاهتمام وتمنح التجارب الفنية فرصًا جديدة.
أما فضل شاكر، فقد عاد إلى المسرح، وعاد معه صوت ارتبط بذاكرة محبيه، فيما منحت لحظة نوال ولقب «صوت العشاق» هذه العودة عنوانًا عاطفيًا يلخص ما بقي من أثره في الناس. لتبقى الحكاية فصلًا جديدًا في مسيرته الفنية، ومناسبة نتأمل من خلالها معنى الاحتضان الثقافي، وأثر المنصات التي تمنح المبدعين فرصًا جديدة للقاء جمهورهم.
وفي النهاية، تبقى أجمل رسالة يتركها هذا المشهد أن الفن حين يجد المساحة التي تليق به يستطيع أن يعيد وصل ما انقطع، وأن يذكّرنا بأن الذاكرة لا تغيب بسهولة، وأن المبدعين حين يجدون أبوابًا مفتوحة أمامهم تصبح العودة بداية لحكاية جديدة، لا مجرد استعادة لحكاية قديمة.
وفي ختام هذه الحكاية الفنية التي أعادت الفرح إلى قلوب محبي فضل شاكر، أتقدم بالشكر والتقدير إلى الهيئة العامة للترفيه، ممثلةً بمعالي المستشار تركي بن عبدالمحسن آل الشيخ، على ما تقدمه من دعم للحراك الفني والثقافي، وعلى إتاحة منصات تجمع المبدعين بجمهورهم وتمنح التجارب الفنية فرصًا جديدة للحضور والتجدد.
كما أتوجه بالشكر إلى شركة «بنش مارك» لتنظيم الفعاليات، ممثلةً برئيس مجلس إدارتها ومؤسسها الأستاذ زكي حسنين، وفريق العمل الذي أسهم في تنظيم هذه الأمسيات وإخراجها بالصورة التي تليق بالجمهور وبمكانة المملكة. إن نجاح مثل هذه اللقاءات ثمرة رؤية تؤمن بقيمة الفن، وعمل احترافي يحوّل تلك الرؤية إلى تجربة تبقى في الذاكرة، وتؤكد أن المملكة لا تحتفي بالمبدعين العرب فحسب، بل تفتح أمامهم أبوابًا جديدة للقاء جمهورهم وصناعة لحظات جميلة تجمعنا.