د. محمد بن أحمد غروي
استضافت العاصمة الماليزية، كوالالمبور، مؤتمر «مدن حوارية في جنوب شرق آسيا» في نسخته الثالثة هذا العام، والذي يهدف إلى تيسير الحوار الموجه ومساعدة المجتمعات المتنوعة على الانتقال من مجرد فهم بعضها البعض إلى العمل معًا لمواجهة التحديات المشتركة. المؤتمر من تنظيم مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات (كايسيد)، بالمشاركة مع المجلس التنسيقي الموحد للمنظمات الإسلامية غير الحكومية في ماليزيا.
انطلقت فكرة المدن الحوارية من رؤية تشابه الأفراد من مختلف الأديان والثقافات والأجيال والمهن في مواجهة العديد من الضغوطات نفسها مثل التغير البيئي، والتطور التكنولوجي المتسارع، والمعلومات المضللة، والهجرة، والإقصاء الاجتماعي، وعدم اليقين بشأن المستقبل، مع اختلاف الطريقة التي تواجه بها هذه المشكلات. فقد وفر مؤتمر المدن الحوارية المساحة لمشاركة هذه التحديات مع بعضنا البعض من خلال الحوار بين الأديان والثقافات لتعزيز التفاهم، وتحديد الشواغل المشتركة، وبناء الثقة اللازمة للتعاون.
ما تميزت به النسخة الثالثة من مؤتمر «مدن حوارية في جنوب شرق آسيا» الذي استضافته العاصمة الماليزية مشاركة نخبةً من القادة الدينيين والمجتمعيين، وممثلي المدن، وصنّاع السياسات، والشباب، والقيادات النسائية، والإعلاميين، وفاعلين من المجتمع المدني من عدد من مدن وأقاليم الأرخبيل، وذلك لاستكشاف كيف يمكن للحوار بين الأديان والثقافات أن يساعد المجتمعات على فهم التحديات المشتركة، وبناء الثقة، وابتكار استجابات عملية بشكل جماعي. وجاء اختيار كوالالمبور بوصفها نموذجًا للتنوع والتكيف، حيث يشكّل الحوار والاحترام المتبادل والتعاون نقاط قوة تسهم في بناء مدينة أكثر شمولًا ومرونة.
تحت شعار «مستقبل مشترك: حوار من أجل مدن مرنة وشاملة»، يأتي هذا التوجه في ظل التغيرات البيئية والتكنولوجية والاجتماعية التي تشهدها مدن جنوب شرق آسيا؛ إذ تعمل الضغوط المناخية والتحولات التكنولوجية والتنوع المتزايد في المجتمعات الحضرية على إعادة تشكيل أنماط العيش المشترك بين الناس. ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين بشأن مستقبل المنطقة، حيث تؤثر العولمة على أنماط حياة الناس وطرق تفاعلهم وإدراكهم للآخرين.
لاحظنا جلسات عن التنوع والتناغم وأهمية الحوار الديني والثقافي، وكيفية إدارة التنوع الثقافي والديني لبناء التماسك الاجتماعي في المدن ذات التعددية الثقافية، والتعليم باعتباره المفتاح لدعم العلاقات الإيجابية بين الأعراق إلى جانب أهمية الحوار وسط حالة عدم اليقين لمجابهة خطابة الكراهية ضد الملكية والعرق والدين في ماليزيا. كما تطرق المؤتمر في جلساته لتأثيرات القضايا البيئية على المدن والمجتمعات والصحة والموارد، والتصدي للتطرف على الفضاء الإلكتروني.
ما لفت نظري هو الاهتمام بالتحول من مرحلة النقاش إلى العمل الجماعي؛ حيث جرى تشجيع المشاركين على تحديد الاهتمامات المشتركة، وتبادل الخبرات العملية من مدنهم، ووضع مقترحات من شأنها تعزيز مرونة المجتمع. وسلطت المناقشات الضوء على القدرة على الصمود في وجه التغير المناخي ومعالجة التفاوت الاجتماعي، والربط الرقمي والمشاركة المجتمعية؛ ودور الحوار بين الأديان في بناء الثقة، وتعزيز التفاهم، وإنشاء مدن أكثر شمولاً.
ما أكده المشاركون والمتحدثون أن المدينة الشاملة لا تُقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، أو التقدم التكنولوجي، أو تطوير البنية التحتية؛ بل أن يسمع صوت الفرد ويُمنح الفرصة للمشاركة الفاعلة في حياة المجتمع. كما أن مرونة المدن تتطلب حوكمة رشيدة لمواجهة التحديات الحضرية المترابطة، بدءًا من مخاطر المناخ وعدم المساواة وصولًا إلى التفكك الاجتماعي والتقنيات الناشئة. لذا يمكن للحوار بين الأديان أن يُسهم في تعزيز التفاهم بين المجتمعات.