تشريح سيكولوجية العملاق الفتي
السياسة الخارجية الأمريكية في كثير من الأحيان تبدو عصية على الفهم البنيوي إذا عُزلت عن سياق العقيدة النفسية والمعرفية التي تشكلت داخل وجدان الأمة الفتية فالقرارات التي تصدر عن البيت الأبيض والتحركات الدبلوماسية والعسكرية الجافة ليست مناورات عابرة تمليها اللحظة الراهنة فحسب انما هي نتاج تداخل عميق ومعقد بين أساطير التأسيس الأولى ونزعات الهيمنة التوسعية الشرسة التي واكبت صعود النظام الرأسمالي.
وفي محاولته لتفكيك هذه الجدلية التاريخية يضعنا الباحث الفرنسي مكسيم لوفا بفر في كتابه «السياسة الخارجية الأمريكية» أمام تشريح معمق لما يصفه بالصعود الذي لا يقاوم للقوة الأمريكية إنه يتتبع بحذر وأناةً حركة البندول الدائمة في عقل واشنطن السياسي بين رغبة الانكفاء والانعزالية من جهة وجموح التدخل وبسط النفوذ الكوني من جهة أخرى مستندًا إلى منعطفات زمنية مهمة شكلت ملامح العالم المعاصر.
تبدأ الرحلة المعرفية للكتاب من محاولة جادة لتفكيك مفهوم «الاستثنائية الأمريكية» الذي يتردد كثيرًا في أدبيات السياسة الدولية حيث يجري إرجاع هذا المفهوم إلى ثلاثة محددات بنيوية فارقة: فتوة التاريخ، وحصانة الجغرافيا الجزيرية، وقيم الديمقراطية الليبرالية فمن حيث التاريخ.
ولدت الولايات المتحدة قبل قرنين ونصف من الزمان وهو ما يمنحها حالة من الفتوة والحيوية الديمغرافية الدائمة بفعل موجات الهجرة المتعاقبة مقارنة بدول الكتلة الأوروبية الآسيوية التي تمتد نشأتها السياسية والحضارية إلى آلاف السنين ومن حيث الجغرافيا تأخذ أمريكا وضع الجزيرة القارية المعزولة بين محيطين شاسعين مما منحها عبر عقود طويلة حصانة طبيعية ضد الدسائس والحروب الأوروبية الباكرة وأتاح لها بناء قوتها الداخلية بمعزل عن التهديدات المباشرة أما من حيث القيم فيرى المؤلف أن الولايات المتحدة بالرغم من أنها لم تبتكر الليبرالية ولا النظام البرلماني ولا حقوق الإنسان إلا أنها نجحت في جعل هذه المنظومة تنتصر عالميًا عبر إضفاء رؤية مسيحية شبه دينية عليها هذه الرؤية الرسالية هي ذاتها التي دفعت ساسة أمريكيين بارزين مثل وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت إلى الحديث علنا عن بلادهم بوصفها الأمة الضرورية لقيادة البشرية ودفعت وزراء آخرين كوزير الخارجية الفرنسي السابق هوبير فيدرين إلى وصفها بـ»القوة المفرطة».
أسطورة الصفحة البيضاء وتبرير المحو
التدقيق الأكاديمي الصارم في نص الكتاب يكشف عن شرخ أخلاقي بنيوي رافق هذه النشأة وأثر عميقًا في تكوينها فالحديث عن طهارة المنشأ وأسطورة «الصفحة البيضاء» التي صاغها المهاجرون الأوائل هربًا من الاضطهاد الديني في القارة أوروبا عام 1620 كان يسير بالتوازي مع توظيف سياسي فج لفكرة «القدر الإلهي» والأرض الموعودة هذا الغطاء الأيديولوجي المريح جرى استخدامه تاريخيًا لشرعنة محو السكان الأصليين الهنود وإزاحتهم بالكامل من الأرض ومن الذاكرة الوطنية الأمريكية على حد سواء إن المؤلف يضع يده على هذه المفارقة الصادمة مبادرًا إلى تبيان كيف تأسست مسيرة الأمة على خلط واضح ومقصود بين الدافع الديني الطهراني والممارسة الاستعمارية العنيفة مما مهّد الطريق لظهور سياسة خارجية تتقن المزاوجة بين الخطاب الأخلاقي البراق والممارسة البراغماتية الشرسة ولم تكن الانعزالية الأمريكية الباكرة التي نادى بها الرئيس الأول جورج واشنطن في رسالة وداعه الشهيرة عام 1796 زُهدًا في شؤون العالم أو انكفاءً أخلاقيًا مدفوعًا بالورع السياسي انما كانت إستراتيجية دفاعية بالغة الدقة لحماية السيادة الوطنية وترسيخ أركان الدولة الفتية عبر فك الارتباط التام بالتحالفات والدسائس السياسية الأوروبية.
لقد قال واشنطن بوضوح إن قاعدة السلوك الكبرى حيال الأمم الخارجية هي في توسيع العلاقات التجارية وأن يكون للأمة أقل قدر ممكن من العلاقات السياسية مع أوروبا لأن الأخيرة تمتلك جملة مصالح من الدرجة الأولى لا تخص الداخل الأمريكي إلا من بعيد ومن هذا المنطلق الحمائي النفعي لم تجد حكومة واشنطن حرجا في استخدام القوة العسكرية المفرطة واحتلال الأراضي كلما تطلبت مصالحها الحيوية ذلك وهو ما تجسد تاريخيًا في شراء لويزيانا من نابليون عام 1803 لتوسيع المدى الجغرافي وفي الطريقة التي احتل بها أندريو جاكسون فلوريدا الإسبانية عام 1818 لحماية مزارعي تينيسي بالقوة ودون الحصول على موافقة الكونغرس هذا السلوك دافع عنه الوزير جون أدامس بعبارة برغماتية فجة تعكس الاستخفاف بالقانون الدولي الباكر قائلًا إن جاكسون أتيح له أن يسبق عدوه بشكل سلمي بفضل الاحتلال بالقوة وهي الصيغة التي شرعنت الاحتلال وثبتت لاحقًا عبر الشراء الإجباري لفلوريدا من إسبانيا عام 1819.
براغماسية الحياد وازدواجية عقيدة مونرو
تصل هذه الازدواجية الأخلاقية والسياسية إلى ذروتها البنيوية مع إعلان «عقيدة مونرو» عام 1823 والتي تلخصت في الشعار الشهير «أمريكا للأمريكيين» يوضح لوفا بفر كيف تحولت هذه العقيدة التي رُفعت في البداية كدرع واقٍ لحماية جمهوريات أمريكا اللاتينية الفتية من محاولات.
الحلف المقدس الأوروبي لإعادة إقامة الملكيات فيها إلى سيف مُسلط تستخدمه واشنطن لفرض وصايتها الحصرية والكاملة ومنع أي نفوذ منافس لها في النصف الغربي من الكرة الأرضية وهي العقيدة التي ظلت الأساس الحاكم للسياسة الخارجية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى ومع تحول الولايات المتحدة إلى القوة الاقتصادية الأولى في العالم مع نهايات القرن التاسع عشر بفضل النمو الهائل في السكك الحديدية والصناعات التعدينية وتراكم الثروات الأسطورية لدى العصاميين الرأسماليين من أمثال روكفلر وكارنجي بات الانكفاء الجغرافي مستحيلًا أمام مكنة الإنتاج الضخمة التي تبحث عن أسواق جديدة ومنافذ حيوية لتصدير الرساميل والاستثمارات هنا يوثق لوفا بفر محطة مفصلية حاسمة في تاريخ القوة الأمريكية أسماها «نهاية البراءة» حيث تخلت الدولة تمامًا عن حذرها القديم وانخرطت في سياسات إمبريالية واستعمارية صريحة تتناقض مع المبادئ التأسيسية التي قامت عليها فانفجار الباخرة الأمريكية في مرفأ هافانا عام 1898 غدا الحجة المثالية لشن حرب خاطفة ومدبرة ضد إسبانيا آلت نتائجها إلى احتلال كوبا وبورتوريكو والفلبين وجزر غوام وهاواي وتحويل هذه المناطق الشاسعة إلى مستعمرات ومحميات تابعة للتاج الرأسمالي الأمريكي ولم يقف الأمر عند حدود فرض «تعديل بلات» عام 1902 الذي انتزع لوطنه حق التدخل العسكري المباشر في شؤون الجزيرة الكوبية وضمان احتلال قاعدة غوانتنامو إنما امتد ليعيد هندسة الجغرافيا السياسية عبر تشجيع وتمويل تمرد انفصالي مسلح في بنما عام 1903 ضد دولة كولومبيا من أجل تأمين إقامة دولة جديدة تمنح الجيش الأمريكي حق الوقوف الدائم على شواطئ القناة وحفرها.
نهاية البراءة والشرطي ذو العصا الغليظة
هذه التحولات الاستعمارية الفجة وجدت تنظيرها الرسمي والفكري فيما عُرف بـ»مسلمة روزفلت» عام 1904 والتي مثلت الملحق الطبيعي والتطويري لعقيدة مونرو.
هذه المسلمة منحت واشنطن رسميا سلطة «شرطة دولية» للتدخل العسكري المباشر في شؤون الدول المجاورة بذريعة عجزها أو عسر أدائها الوظيفي المزمن وتجسدت سياسيًا في عبارة تيودور روزفلت الشهيرة: «تكلم بهدوء ولكن ليكن معك عصا غليظة في اليد فتصل إلى البعيد» هذا النهج القائم على القوة الخشنة تكامل لاحقًا مع دبلوماسية الدولار التي انتهجها الرئيس تافت لربط مالية أمريكا الوسطى ومصائرها السياسية بنفوذ المصرفيين والدبلوماسيين الأمريكيين مما أثبت بالدليل القاطع أن الصعود إلى مراتب القوى العظمى تم عبر التضحية بالمبادئ الطهرانية الأولى لصالح المصالح الاقتصادية والإستراتيجية البحتة وفي مرحلة لاحقة تشهد صياغة العالم الحديث شكلت الحرب العالمية الأولى اختبارًا عسيرًا للمشروع الأمريكي وانعزاليته التقليدية إذ تكشف قراءة طروحات الرئيس وودرو ويلسون ونقاطه الأربع عشرة التي قدمها لمؤتمر السلام في باريس عام 1918 أن تلك النزعة المثالية الداعية لحق تقرير المصير ونزع السلاح والدبلوماسية العلنية كانت تنطوي في عمقها البنيوي والمصادري على رغبة صريحة في إلغاء الحواجز الاقتصادية وفتح الأسواق العالمية أمام البضائع الأمريكية المتفوقة فضلًا عن ذلك كان ويلسون يسعى بوضوح عبر قروض الحرب السخية إلى جعل الحلفاء الأوروبيين تحت السيطرة المالية القسرية لواشنطن عند صياغة شروط السلام وإعادة البناء.
سراب المثالية الويلسنية وانكفاء الكساد الكبير الفجوة
الكبيرة بين طموح القيادة ورغبة الشارع الأمريكي في الانكفاء أدت إلى رفض مجلس الشيوخ المصادقة على معاهدة فرساي عام 1920 بأكثرية الثلثين لتخرج فرنسا من الضمان الأمريكي وتظل الولايات المتحدة خارج عصبة الأمم وتدخل البلاد في عشرينيات القرن الماضي دوامة من الأزمات الداخلية وهستيريا الخوف من الشيوعية «الخوف من الأحمر» مصحوبة بانتعاش الأصولية المتشددة والعنصرية المنظمة ضد السود عبر إحياء الجمعيات السرية والحد الصارم من الهجرة وفرض حمائية جمركية خانقة بلغت ثمانية وثلاثين بالمئة ولم يكن الانكفاء خلف قوانين الحياد الصارمة في الثلاثينيات إلا نتيجة مباشرة لصدمة انهيار بورصة نيويورك والكساد الكبير عام 1929 الذي أدى إلى تراجع الديمقراطيات وصعود الفاشية والعسكرية التوسعية في ألمانيا واليابان ورغم أن إدارة فرانكلين روزفلت حاولت الإيحاء بالالتزام بالسلام عبر استبدال سياسة العصا الغليظة بسياسة حسن الجوار وسحب الجيوش من هاييتي ونيكاراغوا إلا أن اندلاع الحرب العالمية الثانية كشف مجددًا عن طبيعة المكنة الرأسمالية الأمريكية لقد ظلت واشنطن تراوغ الرأي العام المنقسم عبر بند «ادفع واستلم نقدًا» لتجنب التشابك المالي المباشر حتى أحدثت هزيمة فرنسا صدمة نفسية استغلتها الإدارة لإعادة التسلح البحري وإعادة العمل بالخدمة العسكرية وصولًا إلى الهجوم الياباني على بيرل هاربور عام 1941 الذي وفر الحجة المثالية لدخول الحرب هذا الدخول حوّل الأراضي الأمريكية الشاسعة والمحمية خلف المحيطات إلى مصنع أسلحة كوني ضخم وضاعف الناتج الوطني الإجمالي مخرجا البلاد من أزمتها الاقتصادية عبر خطة مانهاتن التي أنجزت القنبلة الذرية في أكبر قدر من السرية.
الوجه الأسود للمكنة العسكرية وصناعة العالم
في غمرة هذا الصراع الكوني تتبدى الصفحات القاتمة والوجه الأسود لسياسة العسكرية الأمريكية والتي تجلت داخليا في نفي وعزل مئة وعشرين ألف مواطن أمريكي من أصول يابانية في معسكرات احتجاز قسرية ومهينة بدافع التمييز القومي والعداء المشتعل في حين لم يُطبق هذا الإجراء على الأمريكيين من أصول ألمانية أو إيطالية.
أما خارجيا فقد جسدت الوحشية في التحول نحو أطوار قصف تدميرية بربرية للمدن المدنية مثل قصف مدينة دريسدن الألمانية في شباط 1945 وصولًا إلى الذروة الصادمة والمروعة المتمثلة في إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي بهدف حسم النفوذ وإرغام اليابان على الاستسلام بأقل كلفة بشرية أمريكية ممكنة ومحو مئات الآلاف من الأبرياء في ثوانٍ معدودة.
ومع وضع الحرب أوزارها نجحت واشنطن في صياغة النظام الدولي الجديد بالكامل على مقاس مصالحها فربطت الاقتصاد العالمي بالدولار عبر مؤسسات بريتون وودز وصندوق النقد والبنك الدوليين ونقلت الثقل الدبلوماسي إلى أراضيها بجعل نيويورك مقرًا دائمًا لمنظمة الأمم المتحدة عام 1946 لتتوج الانعزالية القديمة بقيادة مطلقة ومكتملة للعالم.
تقييم منهجي ومصادري: مواطن القوة والضعف
مواطن القوة: تمتاز دراسة مكسيم لوفابفر بالعمق التفكيكي الصارم والموثوقية العالية في استخدام الاقتباسات والوثائق التاريخية الرسمية كونه باحثًا فرنسيًا خارج المنظومة الأنجلوساكسونية منحه ميزة المسافة الموضوعية الأكاديمية إنه لا يسقط في فخ الهجاء السياسي المبتذل.
أو الأيديولوجيا الجاهزة انما يدع الحوادث والاتفاقيات الرسمية (مثل تعديل بلات، ميثاق فيلادلفيا، مسلمة روزفلت، خطة ديوز) تتحدث عن نفسها لتكشف للمتلقي الفجوة الشاسعة بين الشعار الأخلاقي والممارسة البراغماسية الواقعية. كما أن تقسيمه الزمني القائم على منعطفات رمزيّة دقيقة (1941، 1917، 1898، 1823) يمنح البناء الهيكلي للنص تماسكًا منطقيًا ممتازًا يربط النتيجة بالسبب.
مواطن الضعف: يعاب على الكتاب من الناحية المنهجية السقوط أحيانًا في التكثيف الشديد والمخل عند معالجة محطات داخلية بالغة الأهمية على سبيل المثال يمر الكاتب سريعا وبسطور معدودة على حرب الانفصال الأمريكية (1865- 1861) وإلغاء العبودية دون تفكيك أثر هذا الشرخ الاجتماعي البنيوي العميق على تشكيل الهوية الخارجية اللاحقة كما أنه يعتمد تمامًا على أوراق وصوت الجلاد فالحديث عن إبادة الهنود أو سحق وتدجين الجمهوريات اللاتينية يجري دائمًا عبر تتبع الرسائل الدبلوماسية للرؤساء والوزراء الأمريكيين دون إعطاء مساحة تذكر لـ»رؤية الضحية» أو صوت الشعوب التي سُحقت تحت سنابك الخيل أو بعصا روزفلت الغليظة وسياسة شرطته الدولية.
حكم نقدي متوازن
إن كتاب «السياسة الخارجية الأمريكية» لمكسيم لوفابفر في شقه التاريخي والتحليلي التأسيسي يمثل وثيقة إدانة وتشريح بالغة الرصانة والأهمية المعرفية الكتاب يثبت بالدليل القاطع والوثيقة الدامغة أن الولايات المتحدة ليست بلدًا استثنائيًا في طهارته الأخلاقية أو مثاليته الرسالية إنما هي قوة استثنائية في قدرتها الفائقة على تطويع الأساطير الدينية والقيم الليبرالية وحقوق الإنسان لخدمة وتمرير مصالحها التوسعية والرأسمالية البحتة حيث نجح بامتياز في نزع ثوب البراءة المدعاة عن العملاق الأمريكي مبينًا أن صعوده لم يكن قدرًا إلهيًا أبيض بقدر ما كان صيرورة دموية واقتصادية بالغة الشراسة والبراغماسية صاغت المؤسسات الدولية والجغرافيا السياسية لعالمنا المعاصر الذي نعيش تحت وطأته اليوم.
** **
- مصطفى طارق الدليمي