سلطان بن نايف الحربي
يروي ابن خلكان أنّ الخليفة عمر بن عبد العزيز طلب من رجاء بن حيوة أن يشتري له ثوبًا بستة دراهم. جاء رجاء بالثوب، فتفحصه الخليفة واستحسنه، وإن رأى فيه لينًا لا يريده. بكى رجاء؛ فقد تذكر يوم اشترى للرجل نفسه ثوبًا بستمائة درهم، قبل الخلافة، فوجد عمر فيه خشونة لا تعجبه. بين الثوبين سنوات وموقعان مختلفان، لكن الذي أبكى رجاء كان مقدار ما تبدل في ذوق صاحبه ونظرته إلى ما يكفيه (ابن خلكان، 1972، ج. 2، ص. 301).
سأل عمر عن بكائه، ثم تحدَّث إليه عن نفسه. قال، بحسب الرواية: «يا رجاء إنَّ لي نفسًا تواقة». تاقت إلى فاطمة بنت عبد الملك فتزوجها، ثم إلى الإمارة فنالها، ثم إلى الخلافة فأدركها، وبعد أن بلغ أرفع منصب في الدولة، أصبح يتطلع إلى الجنة ويرجو أن يدركها، ولم ينتهِ طموحه عند ما بلغ؛ لقد تغير الشيء الذي يراه جديرًا بالطموح، وترد فكرة النفس التواقة في خبر أقدم أورده ابن عبد الحكم، وإن جاء في سياق مختلف (ابن عبد الحكم، 1984، ص. 62).
لعل ما يستوقفنا في هذه الحكاية أنّ الرجل ظل راغبًا في الارتقاء حتى بعد وصوله، فالهمة العالية لم تختفِ، لكن المال والسلطان لم يعودا آخر ما تطلبه النفس. والرواية هنا شهادة تراثية؛ فقد أشار محقق «وفيات الأعيان» إلى أن خبر رجاء بتفاصيله قد ورد اسم خادمه «مزاحم» في روايات أخرى. أما السؤال الّذي تثيره هذه الرواية، فيتجاوز صحة كل لفظ من ألفاظها: ماذا يفعل الإنسان برغبته في الصعود عندما يصل؟
قد يكتب إنسان لأنّه يحمل فكرة تشغله، فيفرح إذا وجد من يناقشها، ثم يتسع جمهوره، وتأتيه شهرة لم تكن في حسابه، وبعد سنوات، قد ينشغل بما قيل عن اسمه أكثر مما كتب عن موضوعه؛ يفتح هاتفه ليرى كم مرة ذُكر، ويتألم من فتور الاهتمام، ولو كان قد أنجز عملًا جيدًا. هذه صورة ممكنة في حياة البشر، وهي ليست بالضرورة وصفًا لشخص بعينه، إلا أن ما يستحق التأمل فيها أنّ الوسيلة الّتي عرف بها النّاس الرجل أصبحت شيئًا يحتاج صاحبه إلى حمايته باستمرار.
ربما لا يحمل طلب التقدير في ذاته خللًا نفسيًا، فالاحترام والاعتراف الاجتماعيان من الحاجات الإنسانية التي تدرسها أبحاث المكانة الاجتماعية، وقد ميّز «أندرسون وزملاؤه» بين رغبة الفرد في أن يحظى بتقدير الآخرين، وبين امتلاك السلطة، أو الثروة (Anderson et al., 2015) وأظهرت أبحاث «تشنغ وزملائها» أنّ الناس قد يكتسبون النفوذ بإخافة غيرهم وإخضاعهم، أو بما يمنحونه من معرفة وخبرة تكسبهم الاحترام (Cheng et al., 2013)؛ لذلك يمكن القول إن المرتبة وحدها لا تكفي لفهم صاحبها؛ إذ علينا أن ننظر كذلك إلى الطَّريقة الَّتي وصل بها، وإلى ما يفعله بها.
في حياتنا المهنية نرى شخصًا يقبل مسؤولية إضافية لأنّه يستطيع أن يحل مشكلة حقيقية، ونرى آخر لا يحتمل أن يُسبق إلى منصب كان يراه من حقه، وقد تجتمع الرغبتان في الإنسان نفسه؛ يتطلع إلى عمل أنفع، ويرغب أيضًا في اعتراف الناس بفضله، ومن الصعب أن نعرف بواعث الآخرين من الخارج؛ لكن المرء يستطيع أن يراقب ما يحدث داخله عندما لا يحصل على التقدير المنتظر: هل يؤلمه ضياع فرصة للعمل، أم ينهار تصوره عن قيمته الشخصية؟
غير أنَّ الرغبة في الارتقاء قد تسلك طريقًا آخر؛ فقد يصبح التفوق حاجة لا يهدأ صاحبها حتَّى يثبت أنّه أفضل من غيره، وقد تتحول المكانة من ثمرة للإنجاز إلى شرط للشعور بالقيمة الشخصية. في هذه الحالة تكتسب قراءة «كارين هورني» أهميتها؛ ففي كتابها «العصاب والنمو الإنساني»، تناولت ما سمّته «البحث عن المجد»، ووصفت كيف يصنع الإنسان صورة مثالية لنفسه، ثمَّ يستنزف جهده في محاولة بلوغها؛ فيطلب كمالًا لا يحتمل النقص، وتفوقًا لا يقبل المنافسة، وانتصارًا قد يظل محتاجًا إلى تكراره (Horney, 1950)، وهكذا قد يحقق المرء إنجازات كبيرة دون أن يجد فيها الطمأنينة الّتي كان ينتظرها.
يبدأ العبء عندما يشعر الإنسان أنّ الاعتراف بخطئه سيهدم صورته كلها. وقد كتب باحثا علم النفس «جينيفر كروكر ولورا بارك» عن كلفة السعي الدائم إلى إثبات القيمة الذَّاتية؛ فقد ينعكس هذا السعي على التَّعلم، والعلاقات، والقدرة على احتمال الإخفاق (Crocker الجزيرة Park, 2004)، وفي مراجعة جمعت نتائج «105» دراسات، وجدت «برادشو وآخرون» أن إعطاء الشُّهرة، والثروة والمظهر أولوية على غايات مثل النمو، والعلاقات يرتبط في المتوسط بمستويات أضعف من الرفاه النفسي، ولا تسمح هذه العلاقة بالقول إنَّ الشهرة تسبب التعاسة لكل من يبلغها (Bradshaw et al., 2023).
وقد يتجاوز الخوف على الصورة حدود الشعور إلى القرار، ففي تجارب أجراها «زانغ وباوميستر» زاد بعض المشاركين إنفاقهم في مسارات خاسرة عندما تعرض تقديرهم لأنفسهم للتهديد (Zhang الجزيرة Baumeister, 2006). هنا يمكن أن يتحول حلم قديم إلى التزام نخشى مراجعته. إذ يواصل صاحبه دفع الثمن، وربما فقد بعض الأسباب الّتي جعلته يبدأ؛ لكنه يخشى أن يبدو التراجع إقرارًا بأنَّه لم يكن كما تصور نفسه، وتصلح استعارة «حرق السفن» لهذا الموضع بشرط ألا نخلط بين شجاعة الالتزام، وإلغاء القدرة على المراجعة.
سيقول معترض، وله ما يسند اعتراضه، إنّ بعض المنجزات الكبرى احتاجت إلى إصرار طويل أمام الشك والخسائر، وقد يكون الاستمرار هو القرار الأجدى فعلًا، خاصة عندما يحمل صاحب المشروع مسؤوليات تجاه آخرين؛ لهذا لا نقيس سلامة الطموح بما يدفعه الإنسان من كلفة وحدها، ولا نوزع تهم الغرور على من يثابرون، فالمعيار الأهم هو استعداده لفحص الدليل الجديد، وحساب ما بقي من فرص، وتعديل المسار إذا استدعت الوقائع ذلك.
أعود إلى خبر عمر بن عبد العزيز لم تكن دلالة الرواية أنّه بلغ مرتبة لا يستطيع أحد بعدها أن يطمح، فلقد ظل يتطلّع، لكنّه صار يرى للرفعة معنى آخر، فانعكس ذلك حتى على ثوب يلبسه، وفي هذا ما يجعل «علو الهمة» فكرة أعمق من الصعود المتواصل في سلم المناصب؛ إذ يتوقف معناها على الغاية الّتي تمنح الصعود قيمته.
في يد رجاء ثوب بستة دراهم، وفي ذاكرته ثوب بستمائة، وبين الثوبين اتسعت سلطة عمر، وضاق ما يريد أخذه لنفسه. ظلّت نفسه تواقة، وفق الرواية، لكن وجهتها تبدّلت، وربما هنا يكون امتحان المجد: أن نبلغ ما تمنيناه، ثم نظل قادرين على مراجعة ما نتمنى.
المراجع
ابن خلكان، أحمد بن محمد. (1972). وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان (إحسان عباس، محقق، ج. 2). دار صادر.
ابن عبد الحكم، عبد الله بن عبد الحكم. (1984). سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه (أحمد عبيد، محقق، ط. 6). عالم الكتب.
Anderson, C., Hildreth, J. A. D., الجزيرة Howland, L. (2015). Is the desire for status a fundamental human motive? A review of the empirical literature. Psychological Bulletin, 141(3), 574–601. https://doi.org/10.1037/a0038781
Bradshaw, E. L., Conigrave, J. H., Steward, B. A., Ferber, K. A., Parker, P. D., الجزيرة Ryan, R. M. (2023). A meta-analysis of the dark side of the American dream: Evidence for the universal wellness costs of prioritizing extrinsic over intrinsic goals. Journal of Personality and Social Psychology, 124(4), 873–899. https://doi.org/10.1037/pspp0000431
Cheng, J. T., Tracy, J. L., Foulsham, T., Kingstone, A., الجزيرة Henrich, J. (2013). Two ways to the top: Evidence that dominance and prestige are distinct yet viable avenues to social rank and influence. Journal of Personality and Social Psychology, 104(1), 103–125. https://doi.org/10.1037/a0030398
Crocker, J., الجزيرة Park, L. E. (2004). The costly pursuit of self-esteem. Psychological Bulletin, 130(3), 392–414. https://doi.org/10.1037/0033-2909.130.3.392
Horney, K. (1950). Neurosis and human growth: The struggle toward self-realization. W. W. Norton.
Zhang, L., الجزيرة Baumeister, R. F. (2006). Your money or your self-esteem: Threatened egotism promotes costly entrapment in losing endeavors. Personality and Social Psychology Bulletin, 32(7), 881–893. https://doi.org/10.1177/0146167206287120