حذامي محجوب
من تونس القيروان، حيث وُلدت الحكاية، إلى المغرب فاس، حيث تحوّلت الفكرة إلى مؤسسة علمية عابرة للقرون، تروي سيرة امراة خلدها التاريخ، فاطمة الفهرية قصة من أدركت أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله ليس الثروة ولا النفوذ، وإنما المعرفة التي تظل قادرة على صناعة المستقبل.
في تاريخ الحضارات محطات لا تقاس أهميتها بما شهدته من أحداث سياسية أو بما خلّفته من انتصارات عسكرية، بل بما أسسته من مؤسسات ظلت قادرة على إنتاج المعرفة وتكوين العقول بعد قرون من نشأتها.
من بين هذه المحطات تبرز قصة فاطمة الفهرية، المرأة التي خرجت من القيروان التونسية، واستقرت في مدينة فاس المغربية، لتترك وراءها واحدا من أعرق الصروح العلمية في التاريخ الإسلامي والإنساني: جامعة القرويين.
إنها مسيرة امرأة تتجاوز حدود السيرة الشخصية لتصبح شهادة على قدرة العلم على عبور الجغرافيا، وعلى الدور الذي يمكن أن يؤديه الفرد، امرأة كان أو رجلا، في تغيير مسار مجتمعه.
كما أنها تفتح باباً للتأمل في العلاقة بين الثروة والمسؤولية الاجتماعية، وبين الإيمان بالمعرفة والإسهام في بناء الحضارة.
وُلدت فاطمة الفهرية، وفق الروايات التاريخية المتداولة، في مدينة القيروان بتونس، في حدود سنة 800 ميلادية، نشأت في أسرة ميسورة تنتمي إلى عائلة الفهريين.
وكانت القيروان آنذاك إحدى أهم حواضر المغرب الإسلامي، ومركزا دينيا وعلميا وثقافيا بارزا، تستقطب العلماء والفقهاء وطلاب المعرفة من مختلف المناطق.
في سياق الهجرات التي شهدتها المنطقة خلال القرن التاسع الميلادي، انتقلت أسرتها إلى مدينة فاس بالمغرب، التي كانت في طور التحول إلى مركز حضري وتجاري وعلمي مهم.
هناك عاشت فاطمة مع أسرتها، قبل أن ترث، بعد وفاة والدها، ثروة مهمة أتاحت لها أن تختار بين حياة الرفاه الشخصي وبين توظيف ما تملكه في مشروع يتجاوز حدود حياتها الخاصة.
لم تفكر فاطمة في أن تجعل ميراثها وسيلة لتأمين حياة مريحة فحسب، بل اتجهت إلى تخصيصه لبناء مسجد جامع يستجيب لحاجة المجتمع الذي استقرت فيه، يكون فضاء للعبادة والتعلم والاجتماع.
هكذا ارتبط اسمها بتأسيس جامع القرويين في مدينة فاس سنة 859 ميلادية، وفق الرواية التاريخية الأشهر.
لم يكن اختيار اسم القرويين تفصيلاً عابرا، فقد حمل المسجد اسم المدينة التي جاءت منها أسرتها، القيروان، وكأن فاطمة أرادت أن تحتفظ بصلتها بوطن الميلاد، وأن تنقل شيئا من إرثه العلمي والثقافي إلى موطنها الجديد. من هنا تتجلى إحدى الدلالات الجميلة في قصتها : أن الانتماء لا يتعارض مع الانفتاح، وأن الإنسان يستطيع أن يحمل ذاكرة وطنه ويسهم في بناء وطن آخر، وأن المعرفة من المجالات التي لا تعترف بالحدود المغلقة.
تذكر الروايات أن شقيقتها مريم الفهرية أسهمت بدورها في بناء مسجد الأندلسيين في فاس، بما يعكس حضورا نسائيا لافتا في تأسيس البنية الدينية والاجتماعية للمدينة.
لكن ما يجعل تجربة فاطمة الفهرية استثنائية لا يكمن في بناء مسجد فحسب، وإنما في المسار الذي اتخذه هذا الصرح بعد تأسيسه. فقد تحولت حلقات العلم التي احتضنها جامع القرويين، مع مرور الزمن، إلى تقليد تعليمي راسخ، واتسعت دائرة المعارف التي تُدرّس فيه، حتى أصبح من أهم مراكز التعليم العالي في العالم الإسلامي.
وهنا ينبغي التمييز تاريخيا بين لحظة تأسيس الجامع سنة 859 وبين تطور المؤسسة إلى مركز للتعليم المنظم، فالقرويين لم تبدأ جامعة بالمعنى المؤسسي الحديث الذي نعرفه اليوم، بل نشأت مسجدا جامعا، ثم تطورت تدريجيا عبر قرون من حلقات التدريس والإجازات العلمية والرعاية الوقفية، إلى أن أصبحت مؤسسة تعليمية ذات مكانة راسخة. وقد برزت مكانتها بوصفها مركزا للتعليم العالي بصورة أوضح خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين.
هذا التطور في حد ذاته يستحق التأمل، لأن فاطمة لم تبعث مؤسسة جاهزة بكل ما عرفته لاحقاً من تخصصات ونظم، وإنما وضعت الأساس الذي استطاعت أجيال متعاقبة أن تبني عليها. إنها قيمة التأسيس : أن تضع حجرا أولا في مشروع لا ترى أنت بالضرورة اكتماله، لكن الأجيال التالية تواصل البناء عليه.
لم تكن جامعة القرويين مجرد مكان لتلقي المعارف الدينية، بل أصبحت فضاءً علميا متعدد الاختصاصات، اجتمعت فيه علوم الشريعة والفقه والحديث والتفسير وعلوم اللغة والنحو والأدب والتاريخ، إلى جانب الفلسفة والمنطق والرياضيات والفلك والطب والجغرافيا والعلوم الطبيعية.
مثّل هذا التنوع انعكاسا لطبيعة المعرفة في الحضارة الإسلامية، التي لم تكن تنظر إلى العلوم باعتبارها جزرا منفصلة لا يلتقي بعضها ببعض، بل كانت تتيح الحوار بين العلوم الدينية والعقلية، وتفتح المجال أمام البحث والنقاش والمناظرة.
كانت حلقات الدرس تقوم على علاقة مباشرة بين الأستاذ والطالب، حيث يجلس المتعلمون حول العلماء، يناقشون ويستمعون ويسألون، ويتلقون المعارف وفق تقاليد علمية تقوم على التحصيل والمراجعة والإجازة.
كما لم تكن قيمة العالم تقاس فقط بما يحفظه من معلومات، وإنما بما يمتلكه من قدرة على الشرح والاستدلال وإقامة الحجة ومناقشة الأفكار.
مع تعاظم شهرة القرويين، لم تعد وجهة لطلاب فاس والمغرب وحدهما، بل استقطبت طلبة وعلماء من مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، ومن الأندلس والمشرق وإفريقيا، وأصبحت ملتقى للثقافات والتقاليد العلمية المتعددة.
لقد ساعد موقع مدينة فاس الجغرافي، عند ملتقى طرق التجارة والرحلات بين المغرب والأندلس وإفريقيا جنوب الصحراء، على جعل القرويين مركزا لتبادل المعارف والأفكار.
فالعلماء الذين قدموا إليها لم يحملوا معهم الكتب وحدها، وإنما حملوا تجاربهم ومدارسهم وأسئلتهم، ثم عاد بعضهم إلى أوطانهم بما اكتسبوه من معارف، لتستمر حركة انتقال العلم بين المدن والحضارات.
من هنا لم تكن القرويين مؤسسة محلية محدودة الأثر، بل كانت جزءاً من شبكة معرفية واسعة أسهمت في تشكيل المجال الثقافي للغرب الإسلامي، وفي وصل مراكز العلم بعضها ببعض.
تتجلى القيمة التاريخية لأي مؤسسة تعليمية في قدرتها على تكوين الأجيال وفتح المجال أمام العقول التي تترك بصمتها في الفكر الإنساني. والقرويين ارتبط اسمها عبر تاريخها الطويل بعدد من كبار العلماء والمفكرين الذين عاشوا في فاس أو ارتبطوا ببيئتها العلمية، وإن كان من الضروري التمييز بين من ثبتت صلته بالتدريس أو الدراسة فيها، ومن ارتبط بالمؤسسة أو المدينة في سياق أوسع.
من أبرز الأسماء التي تستحضر عند الحديث عن محيطها العلمي الفيلسوف اليهودي موسى بن ميمون، المعروف باسم ابن ميمون أو ميمونيدس، الذي عاش في القرن الثاني عشر، وارتبطت إقامته في فاس بمرحلة من حياته الفكرية. تمثل تجربته شاهدا على التعدد الديني والثقافي الذي عرفته بعض حواضر الغرب الإسلامي، وعلى إمكان انتقال الأفكار والمعارف بين المسلمين واليهود والمسيحيين في فضاء حضاري متداخل.
كما يبرز اسم نور الدين البطروجي، الفلكي الأندلسي الذي ارتبط ببيئة العلم في الغرب الإسلامي وأسهم في تطوير النقاشات الفلكية في عصره، فضلاً عن علماء وفقهاء وأدباء مغاربة وأندلسيين جعلوا من فاس إحدى محطات حياتهم العلمية.
أما العلامة ابن خلدون، المؤرخ والمفكر التونسي وصاحب «المقدمة»، فتحتل تجربته في فاس مكانة خاصة في هذه الحكاية.
فقد أقام في المدينة خلال القرن الرابع عشر، وعمل في محيط البلاط المريني، وأتاح له وجوده فيها الاطلاع على خزائنها العلمية ومناخها الفكري. ولا ينبغي الجزم بأنه كان خريج القرويين بالمعنى المؤسسي، لكن صلته بفاس ومكتبتها تضعه ضمن الشخصيات الكبرى التي تفاعلت مع البيئة المعرفية التي أسهم القرويون في تشكيلها.
هذا التمييز لا ينتقص من مكانة المؤسسة، بل يضيف إلى صورتها التاريخية دقة وموضوعية، فليس المطلوب أن ننسب إليها كل اسم لامع مر بمدينة فاس، وإنما أن نبرز دورها الحقيقي في بناء مناخ علمي استقطب العقول واحتضن المعرفة.
من أبرز الشواهد على استمرار هذا الدور مكتبة القرويين، التي تأسست في العصر المريني، في القرن الرابع عشر، عندما أنشأ السلطان أبو عنان المريني خزانة للكتب سنة 1349م، وخصصها لطلبة العلم. وقد ضمت عبر تاريخها مخطوطات نادرة في علوم الدين والطب والرياضيات والفلك والفلسفة والتاريخ والأدب، وشكلت إحدى أهم خزائن التراث المخطوط في المنطقة.
تكشف هذه المكتبة عن حقيقة أساسية : لا يمكن لمؤسسة علمية أن تستمر من دون ذاكرة مكتوبة، ولا يمكن للمعرفة أن تتطور إذا لم تجد من يحفظها ويصون مصادرها ويتيح للأجيال العودة إليها ومناقشتها والبناء عليها.
كما لم يكن تأثير القرويين محصورا في الدروس التي ألقيت داخل قاعاتها، بل امتد إلى الثقافة المغربية والعمارة والكتابة وحفظ المخطوطات، وأسهم في ترسيخ مكانة فاس باعتبارها إحدى العواصم العلمية الكبرى في الغرب الإسلامي.
لعل ما يلفت الانتباه أن هذه المؤسسة لم تستمر بفضل مبادرة التأسيس وحدها، وإنما بفضل منظومة متكاملة من الرعاية العلمية والوقف وحفظ الكتب وتشجيع العلماء.
فقد أدركت الدول التي تعاقبت على حكم المغرب أن المحافظة على المؤسسات العلمية استثمار في هوية المجتمع وذاكرته ومستقبله.
من هنا اكتسبت مكتبة القرويين أهميتها الخاصة، بما احتفظت به من مصنفات ومخطوطات نادرة، بعضها يمثل شواهد ثمينة على تطور العلوم والمعارف في العالم الإسلامي.
وقد شهدت المكتبة أعم ال ترميم وصيانة واسعة، وأعيد افتتاحها سنة 2016 بعد مشروع استغرق سنوات، في خطوة عكست أهمية حماية التراث المعرفي وإتاحته للأجيال والباحثين.
إن المكتبة ليست مجرد مكان تُحفظ فيه الكتب، وإنما ذاكرة أمة، وشاهد على أن الحضارة لا تُبنى بالإنجازات المادية وحدها، بل بما تنتجه العقول من أفكار، وما تحفظه المؤسسات من تجارب، وما تتركه الأجيال لبعضها بعضا من معرفة.
لذلك فإن الحديث عن القرويين هو حديث عن منظومة حضارية متكاملة أدركت مبكرا أن العلم يحتاج إلى مؤسسات، وأن المؤسسات تحتاج إلى استمرارية، وأن استمراريتها تتطلب إرادة مجتمعية وسياسية تحميها وتوفر لها أسباب التطور.
إن أهم ما تمنحنا إياه قصة فاطمة الفهرية اليوم ليس الاحتفاء بشخصية تاريخية فحسب، وإنما إعادة طرح سؤال جوهري: ما الذي يجعل أمة قادرة على الاستمرار والتأثير في العالم؟.
لا يمكن اختزال الإجابة في الثروة أو الموارد الطبيعية أو القوة العسكرية، على الرغم من أهميتها، لأن هذه العناصر تحتاج إلى عقل يديرها، ومعرفة تطورها، ومؤسسات تحولها إلى منجزات.
فالعلم هو الذي يمنح التنمية معناها، ويحول الإمكانات إلى فرص، ويجعل المجتمعات قادرة على مواجهة التحديات بدلاً من الاكتفاء بالتكيف معها.
وإذا كانت فاطمة الفهرية قد أسست مشروعها في القرن التاسع الميلادي، فإن رسالتها تزداد أهمية في القرن الحادي والعشرين، حيث أصبح التنافس بين الدول قائما بدرجة متزايدة على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار.
ولم تعد الجامعات مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، بل أصبحت مراكز لإنتاج الحلول، وتطوير الاقتصاد، وصناعة السياسات، وتكوين الإنسان القادر على التفكير النقدي والتفاعل مع عالم سريع التحول.
في عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، تتضاعف أهمية هذا المعنى.
فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدراتها، تظل بحاجة إلى عقل إنساني يوجهها، وإلى منظومة قيمية وأخلاقية تضبط استخدامها، وإلى تعليم يحرر الإنسان من التبعية للمعلومة الجاهزة، ويمنحه القدرة على فهمها وتحليلها وإنتاج معرفة جديدة منها.
لعل أحد الدروس التي يمكن استخلاصها من تاريخ القرويين هو أن التعليم لا ينبغي أن يكون عملية تلقين، وإنما مشروع لبناء الشخصية الإنسانية، وتعزيز استقلالية التفكير، وإعداد أجيال لا تكتفي باستهلاك المعرفة، بل تسهم في إنتاجها.
إن المجتمعات التي تستثمر في مدارسها وجامعاتها ومراكز أبحاثها ومكتباتها لا تستثمر في قطاع من قطاعات الدولة فحسب، بل تستثمر في قدرتها على صياغة مستقبلها. فالجامعة التي تنتج عالما قادرا على الابتكار قد تغير اقتصاد بلد بأكمله، والجامعة التي تربي مفكرا قادرا على مساءلة الأفكار قد تسهم في تطوير المجتمع، والمؤسسة التي تحتضن الحوار بين الثقافات قد تتحول إلى جسر للتفاهم بين الشعوب.
هنا تلتقي قصة القرويين مع إحدى أهم قضايا عصرنا : الحاجة إلى إعادة الاعتبار للعلم والمعرفة باعتبارهما مشروعا مجتمعيا شاملاً، لا مسؤولية المؤسسات التعليمية وحدها.
ثمة دلالة أخرى لا تقل أهمية في مسيرة حياة فاطمة الفهرية، وهي البعد المغاربي والإنساني لتجربتها. فقد انطلقت من القيروان، إحدى أبرز حواضر تونس التاريخية، واستقر أثرها في فاس، إحدى أهم مدن المغرب العلمية. وبين المدينتين امتد خيط من التاريخ والثقافة والمعرفة، يؤكد أن المجال المغاربي لم يكن فضاءً من البلدان المتجاورة فحسب، وإنما مجال لتبادل العلماء والأفكار والتقاليد الحضارية.
إن فاطمة الفهرية تمثل نموذجا لهذا التداخل الخلاق بين الأوطان. فهي ابنة القيروان التي ارتبط اسمها بمدينة فاس، ومؤسسة مشروع أصبح جزءاً من الذاكرة الحضارية المغربية والإسلامية والإنسانية. ولا تحتاج هذه الحكاية إلى منافسة بين بلدين أو إلى تقسيم إرثها بين انتماء وآخر، فالقيروان تحتفظ بشرف الميلاد والبداية، وفاس تحتفظ بشرف احتضان المشروع واستمرار إشعاعه. وهذا ما يجعل قصتها جديرة بأن تُروى في تونس والمغرب والعالم العربي، باعتبارها نموذجا لوحدة المجال الثقافي المغاربي، وللقدرة التي تمتلكها المعرفة على تجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
كما أنها تذكرنا بأن بناء الحضارة لا يتحقق بالعزلة، بل بالتفاعل والانفتاح، وبأن المؤسسات العلمية الكبرى لم تزدهر إلا عندما أصبحت فضاءات يلتقي فيها القادمون من ثقافات وتجارب مختلفة، ويتحاورون حول أسئلة الإنسان والعالم.
قد يكون من السهل أن نستحضر فاطمة الفهرية اليوم بوصفها امرأة تركت أثراً استثنائيا في تاريخ التعليم، لكن الأهم أن نفهم طبيعة الفعل الذي قامت به.
فقد حولت ثروة شخصية إلى منفعة عامة، ومبادرة فردية إلى مؤسسة امتد أثرها عبر القرون، وقرارا ات خذته في زمنها إلى إرث لا يزال حاضرا في ذاكرة العالم.
وفي هذا المعنى، فإن تجربتها تتجاوز قضية تمكين المرأة بمفهومها المعاصر، على أهميتها، لتقدم مثالاً تاريخيا على أن المشاركة في بناء الحضارة لا ترتبط بجنس أو موقع اجتماعي، وإنما بامتلاك الرؤية والإرادة والقدرة على تحويل الإمكانات إلى مشاريع نافعة.
لم تترك فاطمة الفهرية قصراً يحمل اسمها، ولا ثروة يتوارثها أبناؤها، وإنما تركت مؤسسة أتاحت لأجيال متعاقبة أن تتعلم وتناقش وتبحث وتنتج المعرفة.
وربما تكمن عظمة هذه التجربة في أن صاحبتها لم تكن بحاجة إلى أن تعرف أسماء العلماء الذين سيمرون من هذا الصرح بعد رحيلها، ولا أن تتوقع حجم تأثيره في تاريخ التعليم، كان يكفيها أن تؤمن بأن العلم يستحق أن يُبنى له مكان.
حين نستعيد اليوم سيرة فاطمة الفهرية، لا نستحضر امرأة بنت جامعاً في فاس فحسب، بل نستحضر عقلاً أدرك مبكرا أن قيمة ما نملكه لا تُقاس بما نحتفظ به لأنفسنا، وإنما بما نستطيع أن نقدمه للآخرين.
لقد غادرت القيروان، لكن اسمها ظل حاضراً في ذاكرة المغرب والعالم، لأنها لم تجعل من ميراثها نهاية لحكاية عائلية، بل بداية لحكاية حضارية امتدت أكثر من أحد عشر قرنا. وربما لم تكن تتصور، وهي تضع حجر الأساس لمشروعها، أن ذلك المكان سيغدو منارة تستقبل طلاب العلم والعلماء، وأن أثر مبادرتها سيعبر الأزمان والحدود.
إن عظمة فاطمة الفهرية تكمن في أنها فهمت أن الإنسان لا يُخلّد بما يملك، بل بما يؤسس، ولا بما يتركه من أموال، بل بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
فقد بنت مكانا للعلم، فصنع العلم أجيالاً، وصنعت الأجيال تاريخا ظل شاهدا على قيمة مبادرتها. وتلك هي الرسالة التي ينبغي أن نستعيدها اليوم: أن بناء المدارس والجامعات ومراكز البحث، ورعاية العقول وحماية المعرفة، ليست مجرد أعمال تنموية، بل هي أعمال تأسيسية في بناء مستقبل الأمم. فكم من مال ينفد، وكم من نفوذ يزول، وكم من أسماء يطويها النسيان، بينما تظل فكرة نافعة قادرة على الحياة قرونا.
رحلت فاطمة الفهرية، لكن مشروعها لم يرحل، لأن من يبني للعلم بيتا، إنما يبني للأجيال وطنا من المعرفة، ومن يزرع في الأرض بذرة علم، قد لا يشهد ظلها، لكنه يمنح أجيالاً كثيرة حق الاستظلال بها.
هكذا لم تكن فاطمة الفهرية ابنة القيروان التي صنعت مجد فاس فحسب، بل كانت جسرا حضاريا بين تونس والمغرب، وشاهدا خالدا على أن ما يجمع شعوب المغرب العربي من تاريخ وعلم وثقافة أعمق من كل الحدود، وأن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بما تشيّده الأوطان من جدران، بل بما تبنيه من جسور بين العقول والإنسان.