د. سفران بن سفر المقاطي
لم يعد السؤال المطروح على التعليم الجامعي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر قواعد اللعبة، بل بأي سرعة، وبأي ثمن، ولمصلحة من. فالنماذج اللغوية الكبيرة، وأنظمة التعلّم التكيفي، والوكلاء الأذكياء القادرون على تنفيذ مهام بحثية وإدارية متسلسلة، غادرت المختبرات المحدودة لتصبح جزءًا من يوم الطالب والأستاذ والإداري. وهذا التحول لا يمسّ وسائل التدريس وحدها، بل يطال جوهر الجامعة بوصفها مؤسسة تنتج المعرفة، وتمنح الشهادة، وتصوغ الحكم النقدي، وتُعِدّ الإنسان لسوق عمل يتبدّل أسرع مما تتبدّل المناهج.
وتكشف الأرقام حجم هذا الاختراق العلمي؛ ففي المملكة المتحدة أظهر مسح معهد سياسات التعليم العالي الصادر في مارس 2026م أن 95 في المئة من طلاب البكالوريوس يستخدمون الذكاء الاصطناعي، وأن 94 في المئة يستعينون به في أعمال خاضعة للتقييم، مقابل 92 و88 في المئة قبل عام. غير أن 38 في المئة فقط قالوا إن جامعاتهم توفر لهم أدوات معتمدة، وإن كانت النسبة لم تتجاوز 9 في المئة عام 2024م. وتختصر تشارلوت أرمسترونغ، المشاركة في إعداد المسح، الدرس بقولها إن هذه المهارات «لا يمكن التعامل معها بوصفها أمرًا اختياريًا». نحن إذن أمام انتقال من التجريب الفردي إلى البنية المؤسسية، وإن ظلت المؤسسات تلهث خلف طلابها.
لقد قامت الجامعة طويلًا على احتكار نسبي للمعرفة المنظمة: المحاضرة، والكتاب المقرر، والمختبر، والأستاذ بوصفه مرجعًا. أما اليوم فيحصل الطالب في ثوانٍ على شرح متعدد المستويات لأي مفهوم، وعلى خلاصة لأدبيات متشعبة، وعلى مسودة أولية لبحث أو شفرة برمجية. وهذا لا يُلغي الجامعة، لكنه يُفرغ وظيفة نقل المعلومة من كثير من قيمتها؛ فحين تصبح الإجابة في متناول الجميع، يغدو الثمين حقًا هو طرح السؤال الصحيح، والتمييز بين الأصيل والمزيّف، وبناء حجة مستقلة، وتحمّل المسؤولية الأخلاقية عن استخدام الأداة. ومن هنا تتجه الأدبيات التربوية المعاصرة إلى نقل الجامعة من ناقل للعلم إلى فضاء للتفكير النقدي، والتجريب والتكوين الأخلاقي والاجتماعي. فالجامعة التي تكتفي بإضافة مقرر عن الذكاء الاصطناعي إلى خطة تقليدية ستجد نفسها متأخرة، أما التي تعيد تصميم الخبرة التعليمية حول ما لا يستطيع النموذج أن يحلّ محله، أي الحكم والانتماء والإبداع والدهشة المعرفية، فهي الأقرب إلى البقاء مؤسسةً ذات معنى.
ولعل أبرز ما تعد به النماذج الجديدة قدرتها على تكييف المسار التعليمي مع مستوى كل طالب ونمط أخطائه، عبر تغذية راجعة فورية وتمارين تستهدف نقطة الضعف ذاتها لا متوسط أداء الصف. وقد دخل هذا الوعد حيز التطبيق الواسع حين أتاحت منظومة جامعة ولاية كاليفورنيا مطلع 2025م نسخة تعليمية من «تشات جي بي تي» لأكثر من 460 ألف طالب، وأوضحت رئيستها ميلدريد غارسيا أن الغاية أن يكون الطلاب «مُمكَّنين بالذكاء الاصطناعي ليزدهروا في عالم يتغير». لكن تقرير «آفاق التعليم الرقمي 2026م» الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ينبّه إلى أن الأدوات العامة قد ترفع الأداء الآني دون أن تصنع تعلّمًا حقيقيًا، داعيًا إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي «شريكًا في التعلّم لا طريقًا مختصرًا له»، وهذا لا يتحقق إلا بتصميم تربوي واضح. ويظل هذا الوعد مشروطًا بعدالة الوصول. فقد نبّهت اليونسكو إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيّق الفجوات التعليمية أو يوسّعها، تبعًا لمن يملك البنية التحتية والبيانات والكفاءات، ودعت ستيفانيا جانيني، حين كانت مساعدة المدير العام للمنظمة لشؤون التربية، إلى ضمان إدماج هذه التقنيات في التعليم «وفق شروطنا». ولم تعد الفجوة رقمية بمعناها القديم، بل صارت فجوة في محو الأمية الذكائية: القدرة على تقييم مخرجات النموذج، واكتشاف انحيازاته، ورفض إجاباته الواثقة الخاطئة.
وربما كان أعمق الآثار المباشرة تصدّعَ كثير من أدوات التقييم التقليدية؛ فالمقال المنزلي وحل المسائل خارج القاعة لم يعودا دليلًا كافيًا على أن الطالب صاحب الفكرة. وفي المسح البريطاني ذاته قال 65 في المئة من الطلاب إن أساليب التقييم تغيّرت تغيرًا ملموسًا، وارتفعت نسبة من يُدرجون نصوصًا مولّدة آليًا مباشرة في أعمالهم إلى 12 في المئة، فيما أبدى بعضهم خشيته من اتهامات ظالمة بسوء السلوك الأكاديمي.
لكن ضعف التقييم سبق الذكاء الاصطناعي؛ فالدرجات غالبًا ما تقيس الناتج النهائي لا مسار التعلّم، والامتحانات المغلقة تختبر الاسترجاع أكثر من القدرة على الحكم. لذا يدعو فيليب داوسون، المدير المشارك لمركز أبحاث التقييم والتعلم الرقمي في جامعة ديكين الأسترالية، إلى إعطاء الأولوية لصدق التقييم بدلًا من الانشغال بالغش، مؤكدًا أن «زمن تقييم ما يعرفه الناس قد ولّى». والحل ليس حظرًا يصعب تطبيقه أو رقابة تقوّض الثقة، بل تقييم عملية التعلّم عبر المسودات المتتابعة، والدفاع الشفهي، ومشروعات تستلزم الحكم في سياقات ملتبسة، والإفصاح عن حدود استخدام الأداة. وقد يزيد ذلك كلفة التدريس مؤقتًا، لكنه يعيد للدرجة دلالتها.
وفي المختبرات الجامعية تختصر النماذج وقتًا طويلًا كان يُنفق في مسح الأدبيات وتنظيف البيانات واقتراح الفرضيات وصياغة المسودات، بما يحرر الباحث لتصميم التجربة وتفسير النتائج. غير أن مخاطرها معروفة: الهلوسة المعلوماتية، وانحيازيات بيانات التدريب، وصعوبة تحديد الإسهام حين يتداخل النص البشري بالمخرج الآلي، وإغراء نشر نتائج تبدو متماسكة دون فحص معمّق.وثمة خطر بنيوي أبعد؛ فبحسب مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد في أبريل 2026م، جاء أكثر من 90 في المئة من النماذج البارزة التي أُطلقت عام 2025م من الشركات الخاصة، وإن ظل الوسط الأكاديمي، وفق نسخة 2025م من المؤشر، المنتج الأول للأبحاث الأعلى استشهادًا. وقد لخّصت فاي-فاي لي، المديرة المشاركة لمعهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان، المأزق لصحيفة «واشنطن بوست» بقولها إن القطاع العام «يتخلف الآن بشكل ملحوظ في الموارد والمواهب» مقارنة بالصناعة. وإذا اتسعت فجوة الحوسبة والتعويضات، فقد تتحول الجامعات إلى مستهلكة للمعرفة الحدودية لا منتجة لها. والمخرج ليس منافسة الشركات في كل شيء، بل شراكات شفافة، وبنى حوسبة أكاديمية مشتركة، ومعايير صارمة للإفصاح عن استخدام النماذج في المنهجية والكتابة.
ويتقاطع ذلك مع تحول أوسع في سوق العمل؛ فتقرير «مستقبل الوظائف 2025م» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يتوقع تغيّر 39 في المئة من المهارات الأساسية للعاملين بحلول 2030م، ويضع التفكير التحليلي في صدارة ما يطلبه أصحاب العمل. وتشير دراسة لمختبر الاقتصاد الرقمي في ستانفورد إلى تراجع نسبي بنحو 13 في المئة في توظيف الشباب بين 22 و25 عامًا في المهن الأكثر تعرضًا للذكاء الاصطناعي، مقابل استقرار توظيف ذوي الخبرة. ويعزو الاقتصادي إريك برينيولفسون، المؤلف الرئيس للدراسة، ذلك إلى قدرة هذه التقنيات على استيعاب المعرفة الكتبية المقننة التي يحملها المبتدئون، مضيفًا في حديث إذاعي في أغسطس 2026م أن الذكاء الاصطناعي «ليس القصة كلها، لكنه جزء منها، والأدلة تتراكم»، وهو تفسير لم يحظَ بعدُ بإجماع الاقتصاديين. والمحصلة أن الأدوار المبتدئة باتت تشترط الحكم والتفاعل البشري وتحمّل المسؤولية.
فالجامعة التي تخرّج حمَلة معلومات قابلة للاسترجاع السريع تُعدّ طلابها لوظيفة يؤديها النموذج بكلفة أقل، أما التي تدرّبهم على الشراكة النقدية مع الأداة، متى تُستخدم ومتى تُرفض وكيف يُبنى عليها حكم أصيل، فتُعدّ خريجًا يصعب استبداله. وبهذا المعنى لا يكون محو الأمية الذكائية مقررًا اختياريًا في كليات الحاسب، بل كفاءة عرضية تخترق الطب، والقانون، والعلوم الإنسانية، والهندسة.
قد يكون القلق من استبدال الأستاذ مبررًا في المهام الروتينية، لكن التربويين يشيرون إلى «مفارقة الأكثر إنسانية»: كلما اتسع استخدام الأدوات في التعليم، ازدادت الحاجة إلى التوجيه البشري وبناء الثقة. ويصف أندرياس شلايشر، مدير التعليم والمهارات في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الذكاء الاصطناعي بأنه «مسرِّع ومضخِّم» يمكن أن يعزز دور المعلمين في تصميم بيئات التعلم، أو يحصرهم في تنفيذ خطط دروس جاهزة. وفي السياق نفسه، أقر مجلس الاتحاد الأوروبي في 11 مايو 2026م استنتاجات تؤكد أن هذه الأدوات ينبغي أن تدعم المعلمين لا أن تستبدلهم. وبذلك ينتقل الأستاذ من «حكيم على المنصة» إلى مصمم للتعلم، ومقيّم لجودة التفكير، وقدوة في الاستخدام الأخلاقي. ويتطلب هذا التحول استثمارًا مستدامًا في التطوير المهني؛ فالتبني التقني دون تأهيل بشري قد يؤدي إلى الفوضى، ولا يكفي التأهيل وحده دون وصول عادل إلى الأدوات.
ويبقى الذكاء الاصطناعي رافعة ما دام في موقع الرفيق لا البديل عن الجهد الأكاديمي، وهذا يحتاج إلى حوكمة تحمي البيانات، وتحدد المسموح والممنوع بحسب طبيعة المهمة، وتعالج الانحياز والخصوصية والملكية الفكرية والأثر البيئي للحوسبة. وعربيًا، اعتمد المجلس الأعلى للجامعات في مصر في سبتمبر 2025م إصدارًا محدّثًا من دليله الاسترشادي لضوابط استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي والبحث العلمي، وأوضح وزير التعليم العالي أيمن عاشور أنه يوازن بين توظيف التقنيات الحديثة وصون النزاهة الأكاديمية. وفي المملكة العربية السعودية أعلن المركز الوطني للمناهج إدراج منهج للذكاء الاصطناعي في جميع مراحل التعليم العام بدءًا من العام الدراسي 2025م-2026م (وكالة الأنباء السعودية، 2025م)، وأقر مجلس الوزراء في 10 مارس 2026م تسمية عام 2026م «عام الذكاء الاصطناعي» (الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي، 2026م)، ما يعني أن الجامعات ستستقبل قريبًا أجيالًا تحمل إلمامًا أوليًا بهذا المجال. غير أن الحوكمة الفعالة لا تكتمل إلا حين تتحول الأدلة إلى سياسات تقييم معلنة، وتدريب إلزامي لأعضاء هيئة التدريس، ومعايير إفصاح في البحوث، بما يحمي «سيادة معرفية نسبية» تمنع الجامعة من أن تغدو واجهة لاستهلاك نماذج لا تمت بصلة إلى لغتها ومجتمعها وأسئلتها.
ويمكن تصوّر أكثر من مسار للعقد المقبل. ففي سيناريو «التبني غير النقدي» تنتشر الأدوات وتضعف مهارات الكتابة والحكم، فتتحول الشهادة إلى إشارة باهتة وتتآكل ثقة المجتمع بالجامعة. وفي سيناريو «الرفض المبدئي» تُحظر الأدوات فينشأ استخدام خفي وتفقد المؤسسة مصداقيتها. أما السيناريو الأكثر تماسكًا فهو «التكيّف التأملي»، حيث تتبنى الجامعة النماذج بنيةً تحتية، وتعيد تصميم المناهج والتقييم حول الشراكة النقدية بين الإنسان والآلة، وتستثمر فيما يصعب أتمته: المعنى، والأخلاق، والمجتمع البحثي. وفي هذا الأفق قد تغدو القاعة أقل مكانًا لعرض المحتوى وأكثر مختبرًا لمساءلة مخرجات النموذج، ويرافق كل طالب مساعد متخصص في مقرره، بينما يُخصَّص اللقاء البشري للحكم الجماعي وحل المشكلات الملتبسة. وقد تتسع الشهادات المرنة المرتبطة بالمهارات دون أن تختفي الشهادة الجامعية، شريطة أن تثبت أنها ما زالت تضمن ما لا تضمنه المنصة: المساءلة، والمعايير، والانتماء إلى جماعة معرفية.
وختامًا، يتحدد مستقبل التعليم الجامعي بقدرة المؤسسات على التمييز بين ما تفوّضه للآلة وما تُبقيه للإنسان، لا بقوة النموذج القادم. فالنماذج قد تسرّع التعلم والبحث، لكنها قد تُضعف المهارات وتعمّق التفاوت بالقدر نفسه إذا غاب التصميم التربوي والحوكمة. لذا، يتمثل الرهان في انتقال الجامعة من الدفاع عن احتكار المعرفة إلى تنمية القدرة على الحكم، في عالم تكثر فيه الإجابات وتندر الأسئلة الجيدة. ويصبح الذكاء الاصطناعي رافعة حقيقية حين يُوظَّف رفيقًا للجهد البشري لا بديلًا عنه، وحين تبادر الجامعات إلى تجديد رسالتها قبل أن تُفرض عليها إعادة صياغتها من الخارج. فتجديد الرسالة، لا سباق الأدوات، هو ما يصنع مستقبل التعليم الجامعي.