فيصل بن محمد فياض البارودي
في الجزء الأول من المقال الذي تناول البعد المجتمعي في حوكمة قرارات الموارد البشرية من خلال القرارات التنظيمية والتشريعية للدولة، التي تؤدي إلى المحافظة على القدرة المالية للأفراد والتخفيف من الآثار السلبية للمتغيرات الاقتصادية الناتجة عن التغير في أسعار الطاقة.
ولكن ماذا عن البعد المجتمعي في قرارات المنشآت والمنظمات على مواردها البشرية الحالية أو المستقبلية والمتمثلة تحديداً في قرارات التوظيف وإنهاء الخدمة؟
في مختلف المنظمات وشتى القطاعات تُبنى عملية اتخاذ قرارات الموارد البشرية الخاصة بها سواء الحالية أو المستقبلية على عدة عناصر أو معايير، ولكن أهمها هو الحاجة لملء شاغر حالي أو مستحدث لديها أو الاستغناء عن مورد بشري لم يعد هناك حاجة إليه أو لعدم فعاليته و/أو كفاءته، بالإضافة إلى عوامل الربحية والإنتاجية والوضع المالي للمنشأة والتنظيم المؤسسي الداخلي لها والممكنات التقنية، والاقتصاد بشكل عام مع الأخذ بالاعتبار للمحددات النظامية الصادرة من الجهات الحكومية ذات العلاقة.
وأياً كان قرار المنظمة بتوظيف أو استبعاد كادر بشري فإن ذلك له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على بيئة المنظمة الداخلية وعلى البيئة الخارجية التي تعمل بها المنشأة، فتؤثّر وتتأثّر بهذه القرارات من عدة نواح، حيث إن هذه المنظمة هي جزء من القطاع والاقتصاد الذي تعمل به هذه المنظمة، كما أنها جزء من المجتمع والنسيج الوطني الذي يتكامل معه وينعكس ذلك إيجاباً أو سلباً بحسب القرارات المتخذة في هذه المنظمات، وبلا مبالغة فإن هذه القرارات تنعكس على الدورة الاقتصادية برمتها.
ولتوضيح هذه العلاقة وبفرض أن المنظمة ترغب باستقطاب إحدى الكفاءات لملء شاغر وظيفي لديها، (سواءً كان بالتوظيف الخارجي أو الترقية أو النقل الداخلي) فإن ذلك سيؤدي إلى زيادة دخل ذلك المورد البشري (أو ثباته على أسوأ تقدير)، وبالتالي قدرته على الاعتماد على نفسه لتأمين حاجياته وعدم الاعتماد على الآخرين لمساعدته للحصول على قوت يومه أو سداد التزاماته وديونه الناتجة عن عدم قدرته على الحصول على مصدر دخل، كما أن القدرة المالية ستؤدي إلى قدرته على الاستمرار في الإنفاق في تأمين الاحتياجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن وتعليم الأبناء وغيرها من الاحتياجات والكماليات، وبالتالي استمرار مقدمي الخدمات والمواد الاستهلاكية والمعمرة في أعمالهم وأنشطتهم طالما يستمر الطلب عليها مع استمرار وجود قدرة مالية للعاملين في مختلف القطاعات، وهذا في النهاية يؤدي إلى استقرار المجتمع ورفاه أفراده، كما يؤدي إلى نمو كافة مكونات القطاعات وتحقيق مستهدفاتها وأرباحها وأرباح ملاكها وقدرتها على سداد ديونها ومستحقاتها تجاه الغير سواءً كانوا منشآت تجارية أو منشآت حكومية، وكذلك التزاماتها تجاه منسوبيها الذين هم عماد أنشطتها ومحركاتها لتحقيق ازدهار أعمالها.
والنتيجة عكسية تماماً لما ذكر آنفاً عندما تعمل المنظمة على التخلص من أحد مواردها البشرية أو أكثر لسبب أو لآخر (سواء كان قرار التخلص محقاً أو جائراً)، وبلا مبالغة فإن الأثر السلبي سيكون أكبر من الأثر الإيجابي أو حتى مضاعفاً لاسيما في حالة ازدياد حالات إنهاء خدمات المنظمات لمنسوبيها إما بسبب انتفاء الحاجة لهذه الموارد البشرية كانتهاء المشاريع التي تنفذها أو أتمتة عملياتها أو تقليص أنشطتها أو إعادة هيكلتها، فإن المنظمات والقطاعات، بل الاقتصاد برمته سيدخل في دوامة لا متناهية من الأثر السلبي وستنعكس بمزيد من السلبية على هذه المنظمات.
فنجد عند زيادة انكماش الاقتصاد حول العالم أن المنشآت تعمد إلى عملية تسريح لمنسوبيها فيؤدي ذلك إلى انعدام مصدر الدخل لهؤلاء المنتهية خدماتهم، وبالتالي الحاجة إلى مصدر دخل يتم تمويله عادة في شكل معونات حكومية من خلال مؤسسات التقاعد أو صناديق الادخار الاختياري، والتي عادة ما تكون بمبالغ بالكاد تكفي لقوت الأسرة اليومي إن كان كافياً، فتجد أن مثل هذه الإجراءات تحد من قدرة الأسر على الإنفاق سواء في احتياجاتها الأساسية والكمالية مما يؤثّر سلباً على رفاه المجتمع، وقد يؤدي إلى ارتفاع حالات الجريمة مثل السرقة والنهب (كما حدث في بعض الدول الأوروبية خلال شهر أكتوبر 2026)، وهذا ناتج عن الضغط الذي يواجهه مواطنو هذه الدول لعدم قدرتهم الحصول على مصدر دخل أو ضآلته إن وجد، وبالتالي زاد التأثير المجتمعي على قطاعات الأعمال إما من خلال تأثر مبيعات وإيرادات هذه المنشآت أو من خلال الحاجة لزيادة الإنفاق على أمن المنشآت وعلى التأمين على أعمالها ومنشآتها وارتفاع تكلفة تمويل عملياتها بسبب ضعف مبيعاتها، وستبقى هذه المنشآت تعيش في دوامة التأثير السلبي الممتد في حلقة مفرغة لا نهاية لها.
وبالنظر إلى المادتين الاسترشاديتين الرابعة والثمانين والخامسة والثمانين من لائحة حوكمة الشركات الصادرة عن هيئة السوق المالية، بخصوص وضع واعتماد سياسة للشركة تكفل التوازن بين تحقيق أهداف الشركة وأهداف المجتمع الذي تعمل فيه، وكذلك وضع الأهداف والخطط والبرامج ذات الأثر المجتمعي، فإن الأجدر من الشركات القيام بواجبها أولاً تجاه منسوبيها (الحاليين أو المستقبليين) ضمن مبادراتها، وتضع هذه الاعتبارات ضمن مبادراتها المجتمعية والتي تؤثر بشكل مباشر على الأهداف المجتمعية، بحيث تكون ضمن قرارات الشركة بشكل عام (وبشكل خاص قرارات إنهاء الخدمة أو التوظيف) الأثر المجتمعي الذي ستؤثّر فيه هذه القرارات.
فمثلاً عند اتخاذ قرار الاستغناء عن المورد البشري هل تم الأخذ في الاعتبار انقطاع الدخل عن هذا الموظف أو تلك الموظفة وما له من تبعات سلبية على جميع مفاصل حياة الموظف وأسرته المالية والاجتماعية والصحية والنفسية نتيجة هذا الاستبعاد والذي قد يعقبه فترة طويلة ومضنية للبحث عن عمل آخر، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية المؤثّرة على قرارات الشركات في التوظيف، وفي حال وجده هل سيكون ملائماً للمتطلبات المعيشية وخاصة في حال وجود التزامات مالية أو قروض مصرفية وغيرها من الظروف الخاصة التي يمر بها أو من يعولهم.
وكذلك الأمر عند تعيين أو توظيف إحدى الكفاءات هل يؤخذ في عملية المفاضلة بين المرشحين البُعد المجتمعي في قرار التعيين أو التوظيف؟ فكم من متقدم استُبعِد نظراً لأنه ليس على رأس العمل حالياً (على الرغم من أنه قد يكون أكثرهم جاهزية للالتحاق بالعمل وأكثرهم حماساً وقدرة على القيام بأعباء الوظيفة)، وكم من متقدم لعمل يتم استغلال حاجته للعمل فيتم تقديم عرض وظيفي متواضع دون الأخذ بعين الاعتبار الفروق التي سيتم خلقها في المنظمة نتيجة التفاوت في الدخل بين الموظف وأقرانه في المستوى الوظيفي نفسه وعلى الرغم من تقارب القدرات والخبرات التي يتمتعون بها، بل ربما قد يكون هذا المنضم حديثاً يفوقهم إمكانيات وقدرات، والتي في أغلب الحالات ستنتهي إلى مغادرة هذا الموظف الجديد أو المنقول للشركة في أول فرصة مناسبة نظراً لعدم تقدير المنشأة له منذ البداية.
وهذا الحال لا ينطبق فقط على الشركات وإنما ينطبق على جميع المنظمات في مختلف القطاعات فليس الأمر ذو علاقة بلائحة حوكمة الشركات، وإنما بمدى نضج المنظمات في تطبيق مبادئ ومفاهيم الحوكمة والتي من ضمنها البُعد المجتمعي في أهدافها وخططها وسياساتها وفلسفتها في إدارة أعمال هذه المنشآت، والذي يتطلب إعادة النظر فيها ليكون البعد المجتمعي مأخوذاً في الاعتبار داخل المنشأة وانعكاساته على المجتمع وعلى الاقتصاد بشكل عام سلبياً وإيجابياً لاسيما في حال تعددت الممارسات في عدة منشآت، وذلك ضمن قيام المنشآت بوضع أهداف وخطط مرتبطة بالمسؤولية المجتمعية التي تعمل ضمن أهداف المجتمع والتي من بينها تنمية وازدهار المنشأة التي تؤدي إلى خلق فرص وظيفية جديدة تساهم في استيعاب المؤهلين للعمل من هذا المجتمع (وهذا يعتبر أحد مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030)، ولا تقتصر المبادرات المجتمعية فقط على دعم الجمعيات الخيرية أو الأعمال والأنشطة التوعوية المجتمعية، فالأثر الحقيقي للمبادرات المجتمعية تبدأ من الاهتمام بالإنسان نفسه.
** **
- مستشار مراجعة داخلية وحوكمة وإدارة مخاطر ورقابة